قضايا وآراء

الدستور المغربي في مِحَكِّ الممارسة

محمد مالكي
1300x600
1300x600
ماذا بعد مرور خمس سنوات؟

صوّت المغاربةُ في فاتح يوليو/ تموز 2011 على سادس دستور للبلادَ، مُحقِّقين بذلك سَبقاً لم تُنجزه مجمل البلاد العربية التي عمّتها موجةُ "الحراك الاجتماعي"، أو ما درجت على تسميته بعضُ الأدبيات "الربيعَ العربي". ففي أقل من أربعة أشهر على الإعلان الرسمي عن وضع دستور جديد (خطاب 09 آذار/مارس 2011)، تمت المشاورات بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، وأنهت اللجنة المكلفة بصياغة الدستور إعداد وثيقة جديدة، طُرحت على الاستفتاء الشعبي، لتحظى بتصويت إيجابي قارب الإجماع بالنسبة للمشاركين في الاقتراع، ليُفتَحَ بذلك طريقُ الانتخابات التشريعية، التي ستُجرى في 25 تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه، وليتولى "الإسلاميون" في أعقابها قيادة العمل الحكومي (2011 ـ 2016)، بسبب تصدّر حزبهم قائمة الفائزين في انتخاب مجلس النواب.

لم يحظ الدستور السادس للمملكة المغربية (2011) بما يكفي من الكتابات العلمية الرزينة والعميقة، لكن نال، بالمقابل، حظّاً وافراً من انطباعات رجال السياسة، والإعلاميين، وتعليقات غير المهنيين أو المختصين. وراهنت شرائح واسعة من المواطنين على قدرته على رسم أفق جديد للبلاد، لتعميق مكاسب التجارب الدستورية السابقة، والمساهمة في بناء ثقافة جديدة تتلاءم مع روحه، ومع تطلعات السياق الوطني والإقليمي الذي تحكّم في حيثيات إعداده وصياغة أحكامه. اليوم، وبعد مرور خمس سنوات على دخوله حيّز التنفيذ، كيف ينظر المغاربة إلى دستورهم، وتحديداً إلى حصيلة ممارسته، والثغرات التي اعترت تطبيقَه؟ وهل يمكن الإقرار بأنه سائر في طريق تحقيق التطلعات التي حملتها فلسفتُه، وكرستها قواعدُه ومقتضياتُه؟ 

مرة أخرى، ليست بين أيدينا، مع الأسف، دراسات علمية قاسَت بشكل مهني نتائج تطبيق الدستور المغربي على امتداد الخمس سنوات التي مرت على إعداده والتصويت عليه، بل هناك تحليلات عامة، وانطباعات إجمالية، وقليل من الأفكار التي سعت إلى الاقتراب من الحصيلة في إيجابياتها وسلبياتها. لذلك، يبدو لنا مفيداً الإشارة إلى أمرين منهجيين أساسيين عند النظر إلى دستور 2011 في ضوء خمس سنوات من الممارسة والتطبيق. نُذكِّر القارئ الكريم أولا، بأن فكرة الدستور أو "الدّستَرة" Constitutionnalisation ظلت في المغرب موضوع تجاذب واعتراض منذ الدستور الأول لعام 1962، وحتى الدستور الخامس لسنة 1996، وقد تمَّ التعبير عن هذا السلوك من قبل الأحزاب سليلة الحركة الوطنية تحديدا، إما بمقاطعة الاستفتاءات الدستورية، أو بالتصويت السلبي عليها، والتشكيك في شرعية نتائجها. لذلك، لم يحصل التوافق حول فكرة الدستور والانخراط الجماعي في التصويت عليه حتى العام 1996. المغزى من هذه الملاحظة المنهجية في سياق فهم الحصيلة أن التجاذب أعاق مراكمة ثقافة دستورية عميقة وسليمة لدى النخب والمواطنين على حد سواء. يتعلق الأمر المنهجي الثاني بطبيعة الدستور الجديد ذاته، فقد جاءت صياغته موزعة بين أحكامه العامة، والقوانين التنظيمية والعادية التي أحال عليها، وهي ذات وظيفة تفصيلية وتدقيقية لمقتضياته، إنها في الواقع النصف المكمل والمتمِّم له، مما يعني صعوبة اكتمال حصر الحصيلة وفهم نوعيتها، دون صياغة هذه القوانين ـ التي قارب عددها العشرين، ومسّت جوانب إستراتيجية في مفاصل حياة المغاربة وهويتهم ـ واختبارها في الممارسة والتطبيق.

لا شك في أن حصيلة الخمس سنوات أسفرت عن جملة من الإيجابيات، وعدد من الثغرات والفجوات. فمن أولى الإيجابيات الشروع في تكريس قاعدة اقتسام سلطة "التعيين في المناصب العليا" بين الملك والحكومة ممثلة في رئيسها، بعدما كان الأمر قراراً ملكياً منفرداً في السابق. وتمّ تطبيق قاعدة تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز في انتخاب مجلس النواب، وبذلك تمّ القطع مع الممارسة السابقة التي كانت تعطي للملك سلطة مطلقة في تعيين الوزير الأول والوزراء. من الملاحظ كذلك، شروع القضاء الدستوري، ممثلا في المجلس الدستوري بشكل مؤقت وفي المحكمة الدستورية حين تنصيبها، في ممارسة سلطته التأويلية، وإعمال الاجتهاد الذاتي لأعضائه لفحص القضايا والنوازل المطروحة على أنظاره، خلافا لما كان عليه الأمر في السالف. ولعل أبرز الإيجابيات، امتثال البرلمان والحكومة على حد سواء لأحكام الدستور التي أجبرتهما على إعداد وصياغة القوانين التنظيمية والعادية المكملة للدستور قبل نهاية السنة الأخيرة من  الولاية التشريعية الجارية (2016)، والواقع أن هذه المهمة استلزمت جهدا ووقتا كبيرين لإنجازها. ثم من الإيجابيات الأخرى الملاحظة شروع الفاعلين السياسيين في ردّ الاعتبار للشرعية الدستورية، والسعي المتردد إلى القطع مع عدم الاكتراث بأحكام الدستور كما ساد في الممارسة سابقا.

ثمة ثغرات يمكن استنتاجُها بعد خمس سنوات من دخول الدستور المغربي الجديد (2011) حيز التطبيق، وهي في الإجمال من نوع الفجوات القابلة للتطوير والترميم بالتدريج. 

تتعلق الثغرة الأولى بمدى فهم الفاعلين السياسيين (أغلبية ومعارضة) لأحكام الدستور وتمثّلهم لروحه، ومدى استعدادهم غير المشروط لاحترام الشرعية الدستورية والاحتكام إليها، والواقع أن هذه الثغرة من طبيعة ثقافية، وقد أبانت الكثير من التجارب الناجحة في العالم أن المقدمة اللازمة لردم هذه الفجوة مرتبطة بالتوافق على الدستور والالتزام به، والمحاسبة حين الإخلال بمقتضياته.

ترتبط الثغرة الثانية بمدى ممارسة المؤسسات الدستورية لسلطاتها كاملة، وإعمال الاجتهاد الخلاق في تطوير وتغذية هذه الممارسة، والقطع مع نزعة "التردد وإدخال الحسابات والتأويلات المعيقة للعمل المؤسسي". والحال أن الوقائع أثبتت تخلي الفاعلين السياسيين عن جزء من سلطاتهم لحسابات أو توازنات غالبا ما تكون ذاتية وخاصة.

ثمة ثغرة بنيوية على درجة بالغة من الأهمية، تتعلق بطبيعة توزيع السلطة في الوثيقة الدستورية الجديدة. فعلى الرغم من انطوائها على مجموعة من الصلاحيات الجديدة للمؤسسات الدستورية الثلاث، ما زالت المؤسسة الملكية محتفظة بمفاتيح السلطة ومفاصلها الإستراتيجية، ولا يبدو في الزمن المنظور حصول أي تطور أو إصلاح في اتجاه إعادة قسمة السلطة بشكل متوازن ومتعاون ومتكامل.
التعليقات (0)