قضايا وآراء

"مايك الجزيرة" والوزير "الدكر"

قطب العربي
1300x600
1300x600
لم يجد سامح شكري وزير خارجية السيسي ما يفرغ فيه غضبه وإحباطه لما وصلت إليه مباحثاته مع الجانب الأثيوبي في قضية سد النهضة سوى "مايك" قناة الجزيرة الذي أطاحه في حركة عصبية قبيل أن يتحدث في المؤتمر الصحفي في الخرطوم عقب اجتماعات اللجنة المشتركة، وكأن "مايك" الجزيرة أو "الجزيرة" ذاتها أو حتى الدولة التي تبث منها هي سبب فشل عصابة السيسي وانبطاحها أمام الحكومة الإثيوبية التي فرضت على تلك العصابة واقعا مريرا، وحصلت منها على اعترافات مكتوبة بحق إثيوبيا في بناء السد بالطريقة وبالتصميمات التي تراها مناسبة مهما كان تأثيره على الأمن القومي والمائي لمصر والمصريين.

الغريب أن أنصار السيسي المحبطون أيضا من فشل "الدكر الأكبر" في تحقيق انتصار وعدهم به في قضية سد النهضة وجدوا أن تصرف الوزير سامح شكري هو تصرف بطولي وأنه يعبر عن رجل"دكر من ظهر دكر" وبدلا من أن يحاسبوه على فشله وتسببه وخبرائه وقائده في تعطيش المصريين وحقولهم وحيواناتهم، لقبوه بـ"أسد الخارجية"، ودشنوا له وسما بهذا المعنى، ونسو أن هذا الوصف يستدعي مباشرة القول المأثور "أسد علي وفي الحروب نعامة".

خيانة عصابة السيسي للأمن القومي والمائي المصري في قضية سد النهضة أصبحت معلومة للكثيرين، وها هي شخصيات محسوبة على النظام تعترف بما يؤكد ذلك وإن لم تقله صراحة لأنها لا تستطيع أن تفعل ذلك، فبعد تصريحات وزير الري السابق محمد نصر علام، والخبير المائي الدكتور نادر نور الدين، وهاني رسلان، ها هو عضو مستقيل من اللجنة الدولية للسد وهو الدكتور أحمد المفتي المستشار القانوني السابق لوزير الري يؤكد في حديث صحفي لصحيفة المصري اليوم أمس السبت إن اتفاق المبادئ الذى وقعه قادة مصر والسودان وإثيوبيا، أدى إلى تقنين أوضاع سد النهضة، وحوله من سد غير مشروع دوليا إلى مشروع قانونيا. وأنه ساهم في تقوية الموقف الإثيوبي في المفاوضات الثلاثية، ولا يعطى مصر والسودان نقطة مياه واحدة، وأنه تمت إعادة صياغة اتفاق المبادئ بما يحقق المصالح الإثيوبية فقط، وحذف الأمن المائي، ما يعنى ضعفا قانونيا للمفاوض المصري والسوداني.

إعلان المبادئ الذي وقعه السيسي بخط يده في السودان في مارس الماضي مع الرئيس السوداني عمر البشير ورئيس الوزراء الأثيوبي هايلي مريام ديسالين كان هو ذروة الخيانة، وسبقه البيان الرئاسي الذي وقعه السيسي في غانا على هامش القمة الأفريقية في 27 يونيو الماضي وكان عربون عودة مصر إلى المنظمة الأفريقية التي جمدت عضوية مصر عقب انقلاب الثالث من يوليو 2013. 

وفي هذين البيانين الذين وقعها السيسي بخط يده إقرار كامل بالأمر الواقع وحق أثيوبيا في بناء السد، وإحالة الموضوع إلى لجان تتفرع عنها لجان، وجلسات تتبعها جلسات للمباحثات الفنية بهدف تجنب أضرار الأمر الواقع فقط، وحصر طريقة المفاوضات والحسم للجنة الثلاثية، وتجاهل أي حديث عن حقوق مصر الثابتة وحصتها من المياه والتي تضمنتها عدة اتفاقيات دولية قبلت بها الدولة الأثيوبية في عهديها الإمبراطوري والجمهوري، كما أقر المطلب الأثيوبي باستخدام مصطلح الاستخدام العادل للمياه، علما أن أثيوبيا تشكو دوما أن مصر تأخذ أكثر من حقها العادل في المياه.

حين خرج تيدروس إدهمون غيبريسوس وزير خارجية أثيوبيا بتصريحات جرحت كرامة مصر والمصريين مدعيا فيها أن مصر أضعف من أن تفكر في محاربة بلاده، ومؤكدا أن الحكومة المصرية وقعت بنفسها على مذكرات أقرت فيها بحق أثيوبيا في بناء السد بالطريقة التي تراها، لم تستطع عصابة الانقلاب أن ترد على تلك التصريحات المهينة، واضطرت لابتلاعها صاغرة خوفا من قيام الطرف الأثيوبي بنشر المذكرات السرية التي وقعها السيسي ورجاله ثمنا لرضا أسيادهم ولبقائهم في الحكم.

فارق كبير بين الإدارة الفاشلة لعصابة السيسي لملف سد النهضة وبين الإدارة الأثيوبية للملف التي اعتمدت في إدارتها على عناصر رئيسية. أولها استهلاك الوقت في مفاوضات ونقاشات فنية عبثية وتجنب أي تفاوض حقيقي حول السد، والاستمرار في عمليات البناء حتى أصبح السد حقيقة واقعة، ورفض أي مطلب مصري بإيقاف الإنشاءات، وكسب التأييد السوداني إلى جانب أثيوبيا، وقد نجحت أثيوبيا حتى الآن في تنفيذ خطتها، وجعلت السد أمرا واقعا.

 يبقى أن نشير بإعجاب وتقدير إلى موقف الرئيس المدني المنتخب الدكتور محمد مرسي ابن الريف المصري الذي يعرف للنيل قدره، والذي أعلنها مدوية أن دمه سيكون ثمنا لنقصان أي قطرة ماء من النيل، وهو لم يكن مجرد تهديد أجوف، بل كان الرئيس على استعداد لتنفيذه، وكانت مصر كلها مستعده معه للتنفيذ، فكما يقول المثل المصري "يا روحي ما بعدك روح".

ولا يقلل من هذا الإعجاب ذلك الخطأ الفني بنقل وقائع مؤتمر الحوار الوطني حول السد على الهواء مباشرة دون معرفة بعض الحضور ذلك وهو ما سمح بخروج بعض التهديدات بضرب السد على لسان بعضهم ، صحيح أن هذا النقل المباشر كان خطأ كبيرا اعتذرت عنه الدكتورة باكينام الشرقاوي مساعد الرئيس التي أبلغت البعض ونست إبلاغ آخرين بالبث المباشر، لكن هذا المؤتمر في حد ذاته كان دليلا على إدراك القيادة السياسية أن قضية السد ليست مجرد ملف رئاسي بل هي ملف وطني، يحتاج إلى تشاور من الجميع لأن المواجهة حين تتم ستكون بمشاركة الجميع.
التعليقات (0)