مقالات مختارة

شركاء في الفوضى

منار الرشواني
1300x600
1300x600
باستقالته، مباشرة عقب استقالة الحكومة، يكون الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي قد انضم إلى خيار الفوضى الذي يبدو الوحيد المتاح أمام اليمن، لاسيما وقد أصبح هذا الخيار، على ما يظهر، محل إجماع تقريباً بين القوى السياسية والفئات الاجتماعية المختلفة، بحكم اعتقاد كل منها أنه على ما فيه من غموض، بل وبسبب ذلك تحديداً، قد يكون الخيار الأفضل لتحقيق المكاسب والانتصارات للبعض، بل وحتى تحقيق المواطنة لبعض آخر، ولو بحدودها الدنيا.

والحقيقة أن اليمن بذلك لا يكون استثناء عربياً أبداً؛ فبلدان عربية كثيرة قبله صارت تضم شعوباً تجمعها "شراكة الفوضى" بدلاً من "شراكة المواطنة". أما إن كان لليمن من خصوصية هنا، فهو إظهاره بشكل قاطع كيف أن اللجوء إلى الخيار العدمي لم يكن مفاجئاً، بل نتاج عملية واعية تم الشروع بها بناء على قرار مسبق. وإذا كان سيتم هنا، كما دوماً، استحضار نظرية المؤامرة، إقليمياً ثم غربياً ربما، في تفسير حال اليمن "التعيس"، إلا أنه ستظل نقطة الانطلاق الإجبارية لكل تفسير وذريعة هي نظام الاستبداد.

فعلي عبدالله صالح الذي ما ملّ، عندما كان رئيساً، الحروب مع الحوثيين، التي خاض قبلها حرب "وحدة" مع الجنوب، يعود اليوم متحالفاً مع أعداء الأمس من جهة، ومضحياً باليمن شماله وجنوبه من جهة أخرى، فقط لأجل استعادة كرسي حكم صنعاء. وهو فوق خبرته المكتسبة عقوداً رئيساً للأبد، أدرك مفاتيح لعبة اليوم للعودة سريعاً، مطلقاً مبكراً تحذيراته للجيران من سيطرة حلفائه إلى وقت قريب؛ جماعة الإخوان المسلمين، كما للغرب من نمو "القاعدة". ولعل لسان حاله: أليست هاتان هما "الفزاعتان"، معبراً عنهما بـ"الإرهاب السُنّي"، هما اللتان أبقتا نوري المالكي رئيساً لوزراء العراق سنين طويلة بالرغم من كل فظائعه، وسمحتا لبشار الأسد بوراثة والده ثم الصمود أربع سنوات حتى الآن على ركام سوريا؟

هنا أيضاً يمثل اليمن نموذجاً كاملاً لما يحصل في بلدان الاستبداد، حيث المخاطب هو الخارج فيما يتواصل إنكار وجود المواطنين. والحقيقة أنه إذا كان الغرب يقبل أن بديل إرهاب الاستبداد المنضبط في حدود السكان المحليين (فهم ليسوا مواطنين) هو إرهاب التنظيمات العابرة للحدود، فكذلك يفعل أيضاً هؤلاء السكان أو المواطنون، لكنهم بعد قبولهم بالحجة ذاتها، يختارون التنظيمات لا الأنظمة المجربة فساداً ودموية، كما يظهر جلياً بصعود "داعش" وأشباهه في العراق وسوريا، بفضل فظائع المالكي والأسد كلها، أو رغماً عنها، فلا فرق.

تظل المفارقة فعلاً أن من يساوون بين زعامات وأوطان، هم أنفسهم من يطالبون السكان المنكرة مواطنتهم حماية "أوطان" قيل لهم مراراً إنها إقطاعية الرئيس الملهم وحده، وأن أي خروج على هذه الحقيقة هي الخيانة بعينها. فهل يكون منطقياً بأي شكل بعد ذلك توقع دفاع هؤلاء عن مكاسب جلاديهم، أم العكس تماماً، ولو من باب الموت بصوت مرتفع وأكثر من مجهولين؟!



(نقلاً عن صحيفة الغد الأردنية)
التعليقات (0)