كتاب عربي 21

من "دونكيرك" إلى "غزة".. أين مراكب العرب؟

أسامة جاويش
أسطول الحرية (أرشيفية)
أسطول الحرية (أرشيفية)
الحدث الذي غير عالمنا

في شهر أيار/ مايو عام 1940 كانت قوات ألمانيا النازية تتقدم بسرعة كبيرة نحو الأراضي الفرنسية لإتمام عملية غزو أوروبا والسيطرة على ما تبقى منها من بلدان بعد السيطرة على بولندا وبلجيكا وهولندا، وصلت القوات الألمانية إلى فرنسا وحاصرت ما تبقى من قوات فرنسية برفقة قوات بريطانية في مدينة فرنسية صغيرة تقع على الساحل تسمى دونكيرك.

آلاف الجنود البريطانيين محاصرون دون طعام أو شراب يتعرضون للقصف الألماني العنيف، يموت منهم المئات كل ساعة، ولكن الخبر السيئ أنهم لا يبعدون كثيرا عن سواحل المملكة المتحدة.

في الجهة المقابلة لدونكيرك تقع مدينة دوفر البريطانية والمطلة مباشرة على القنال الإنجليزي الفاصل بين فرنسا وبريطانيا. داخل قلعة دوفر كان يجلس جنرال بريطاني يبحث خطة انسحاب جنوده وإنقاذهم من الحصار.

في العاصمة لندن، كان رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشيرشل يبحث عن أي وسيلة لإنقاذ حياة جنوده، لم تعد الفكرة هي الحرب ولم تعد القضية هي الانتصار أو الهزيمة أمام ألمانيا، وإنما تحولت القضية لكيفية إنقاذ حياة الجنود البريطانيين المحاصرين في دونكيرك.

تحرك البريطانيون في الحرب العالمية الثانية لإنقاذ حياة ذويهم المحاصرين، ويجب الآن أن تتحرك مراكب العرب والمسلمين من المدنيين لإنقاذ حياة أهل غزة من الجوع والمجاعة

وصف رئيس الوزراء البريطاني تشرشل الموقف بـ"الكارثة العسكرية الجسيمة"، ووسط تقدم القوات الألمانية بسرعة البرق نحو دونكيرك، لم يعد أمام تشيرشل إلا تنفيذ خطة عسكرية سريعة لانسحاب قواته، وهو ما أعلنه بالفعل وأمر البحرية الملكية البريطانية بالتحرك فورا لفك الحصار وإنقاذ الجنود.

تحركت المدمرات البريطانية البحرية وعددها 39 برفقة أربع مدمرات بحرية كندية وثلاث مدمرات بحرية فرنسية يوم السادس والعشرين من أيار/ مايو عام 1940، ليفاجأ الجميع بأن الطيران الألماني قد قصف ميناء دونكيرك ودمره بشكل كامل، فلم يعد هناك أي مجال للمدمرات البحرية الضخمة أن ترسو على مرفأ الميناء.

صنعت المدمرات الضخمة ما يعرف بكاسر الأمواج من أجل توفير ممر داخل المياه للجنود للوصول إليها داخل البحر، وبالفعل نجحوا في إنقاذ سبعة آلاف جندي في اليوم الأول وهو ثلث العدد الذي وضعه تشيرشل كهدف للإنقاذ.

ولكن الكارثة كانت أكبر بكثير من سبعة آلاف أو عشرين ألفا، كان هناك مئات الآلاف من الجنود البريطانيين المحاصرين والمعرضين للقتل إما بالقصف أو بالجوع نتيجة الحصار.

هنا حدثت معجزة دونكيرك كما أطلق عليها تشيرشل في خطابه الشهير في الرابع من حزيران/ يونيو عام 1940 أمام مجلس العموم البريطاني.

الأمل سلاح والنجاة انتصار

كان هذا هو الشعار الذي رفعه آلاف المدنيين من أبناء الشعب البريطاني الذين هبّوا لإنقاذ حياة ذويهم المحاصرين في دونكيرك.

ملحمة حقيقية، أكثر من 750 قاربا من قوارب الصيد والتنزه والتجارة والترفيه يمتلكها مدنيون يعيشون على السواحل البريطانية، تحركوا بها في رحلة بحرية لإنقاذ جنودهم المحاصرين وهو ما تم بالفعل.

في غضون أيام استطاع المدنيون بقواربهم الصغيرة أن ينقذوا 336 ألف جندي بريطاني من الموت في دونكيرك، في عملية انسحاب تاريخية حركتهم فيها الإنسانية وحرصهم على إنقاذ حياة أبنائهم المحاصرين.

غزة "أمة محاصرة بلا قوارب"
كانت مراكب دونكيرك قد صنعت معجزة حقيقية خلّدها التاريخ، فعلى ملايين العرب والمسلمين أن يحركوا مراكبهم الآن برا وبحرا وجوا، عليهم أن يزحفوا إلى المعابر في رفح المصرية وغيرها، عليهم أن يطلقوا سفنهم من تركيا وغيرها، عليهم أن ينزلوا مساعداتهم جوا من الأردن وغيره، عليهم أن يملأوا الشوارع والميادين بحشود بشرية لم يسبق لها مثيل

في غزة يعيش أكثر من مليوني شخص تحت حصار مستمر، يعانون من مجاعة غير مسبوقة، في غزة يتعرض أكثر من نصف مليون فلسطيني جلهم من النساء والأطفال للموت جوعا في غضون أيام بعد استنفادهم لكل أسباب التكيف مع الجوع القارص.

من بين كل 5 جائعين في العالم 4 موجودون في غزة، وفقا لتصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، هناك خمسون ألف امرأة حامل في مراكز الإيواء بلا ماء أو دواء أو رعاية صحية، وما يقارب 95 في المئة من أطفال غزة لا يتوفر لهم الحليب والمواد الغذائية وأصبحوا يعانون من سوء التغذية؛ ما أدى لوفاة عدد كبير منهم نتيجة انخفاض درجة حرارة الجسم.

العالم العربي.. ولكنكم غثاء كغثاء السيل

عدد الدول الإسلامية = 57 دولة، عدد المسلمين = مليارا مسلم (قرابة خُمس العالم).

عدد الدول العربية = 22 دولة، عدد العرب = 400 مليون نسمة.

عدد سكان مصر (دولة الجوار لغزة) = 109 ملايين نسمة.

ومع ذلك لا يجد سكان غزة من ينقذهم أو حتى يُدخل لهم الطعام والمساعدات، فأين ذهبت قوارب المسلمين والعرب؟

تحرك البريطانيون في الحرب العالمية الثانية لإنقاذ حياة ذويهم المحاصرين، ويجب الآن أن تتحرك مراكب العرب والمسلمين من المدنيين لإنقاذ حياة أهل غزة من الجوع والمجاعة.

إن كانت مراكب دونكيرك قد صنعت معجزة حقيقية خلّدها التاريخ، فعلى ملايين العرب والمسلمين أن يحركوا مراكبهم الآن برا وبحرا وجوا، عليهم أن يزحفوا إلى المعابر في رفح المصرية وغيرها، عليهم أن يطلقوا سفنهم من تركيا وغيرها، عليهم أن ينزلوا مساعداتهم جوا من الأردن وغيره، عليهم أن يملأوا الشوارع والميادين بحشود بشرية لم يسبق لها مثيل.

علينا جميعا أن ننقذ غزة من الموت.

twitter.com/osgaweesh
التعليقات (0)