قضايا وآراء

إغراق الشعب في اللغو والتشكي

بحري العرفاوي
أزمة معيشة في تونس- جيتي
أزمة معيشة في تونس- جيتي
حين وصف الله تعالى المؤمنين بأنهم ".. عن اللغو معرضون"، فهو لا يضفي عليهم مجرد قيمة أخلاقية متعالية، وإنما هو -سبحانه- يؤكد قيمة حضارية، فـ"اللغو" ليس مجرد قول سخيف غير ذي معنى، وإنما هو ممارسة واعية ومقصودة، فعقل اللاغي يعي أنه لغو، ولكن صاحبه يتعمد الاستمرار فيه لتحقيق هدف ما؛ هو صرف الناس عن تناول القضايا الحقيقية التي هي في علاقة بحياتهم وبمصالحهم وبمستقبلهم. إن منتجي "اللغو" ليسوا مجرد أفراد سخفاء، وإنما هم صنّاعُ "ثقافة" تافهة، ومروّجو خطاب سخيف، وهم يقصدون إلهاء الناس وتبديد جهدهم وإهدار وقتهم وإغراقهم في اللامعنى.

لقد اشتغلت مختبرات "اللغو" في تونس منذ 2011 بشكل فعال، وقد نجحت حقيقة في إغراق الناس في تفاهة الاستثارة وتفاهة الاستجابة.

إن الإعراض عن "اللغو" ليس مجرد سلوك أخلاقي فردي، إنما هو ارتقاء جماعي إلى مرتبة "الأناقة الحضارية"، وهو حرص على حماية النسيج المجتمعي حتى لا يمزقه غبار "اللغو"، إنه تعلق الهمم العالية بالقضايا الكبرى، وهو حالة انجذاب شائق نحو مستقبل أرقى وأنقى، إنها حالة "إعراض" عن الخوض مع التافهين في ما يثيرونه من "موضوعات" سخيفة، ومن "قضايا" مفتعلة كاذبة.

بعد انتخابات 2011 وصعود الإسلاميين وحلفائهم إلى السلطة، وقبل أن يُمسكوا بالملفات الاجتماعية والأمنية، أعلن المهزومون انتخابيا اصطفافهم في جبهة معارضة، وكان المجال الاجتماعي منطلقا لممارسة الضغط والتحريض عليها. كل الأساليب كانت متاحة لتحقيق هدف مركزي، وهو إفشال حكم الإسلاميين ومنع فوزهم في أي انتخابات قادمة بعد إشعار الناس بالخيبة.

إن "الإعراض" عن "اللغو" لا يصدر إلا عن أولي عزم، ممن يتحكمون في انفعالاتهم وفي تشهيهم لردود الفعل، إن أولي العزم أولئك هم من يُفوّتون على التافهين فرصة تمكنهم من زمن الفعل وزمن التأثير وزمن الريادة.

بعد انتخابات 2011 وصعود الإسلاميين وحلفائهم إلى السلطة، وقبل أن يُمسكوا بالملفات الاجتماعية والأمنية، أعلن المهزومون انتخابيا اصطفافهم في جبهة معارضة، وكان المجال الاجتماعي منطلقا لممارسة الضغط والتحريض عليها. كل الأساليب كانت متاحة لتحقيق هدف مركزي، وهو إفشال حكم الإسلاميين ومنع فوزهم في أي انتخابات قادمة بعد إشعار الناس بالخيبة.

وبدوافع سياسوية رخيصة وساقطة أخلاقيا، سمعنا أشخاصا يصرخون وعلى المباشر أمام كاميرا التلفاز أنهم "جياع" في بطونهم، بل وسوس سيّئون لبعض ضعاف النفس فأقدم أحدهم على الوقوف مع صغاره في أحد الأسواق يعرضهم للبيع، وتلك جريمة أخلاقية كان يفترض مقاضاته عليها لما اقترفه من اعتداء على الكرامة الإنسانية، ولما سيسببه فعله ذاك من آثار نفسية مدمرة على شخصية البنت أو الطفل حين يكبر، فيذكّره بعض من لا يفصلون بين الفاعل والمفعول به، بكونه كان معروضا للبيع بسبب جوعه وعجز عائلته.

لم يندد لا سياسيون ولا حقوقيون ولا منظمات طفولة ولا جمعيات نسوية بذاك السلوك الأحمق؛ لأن الحسابات السياسوية لا تترك أصحابها أسوياء، إنما تحولهم -غالبا- إلى جبناء وأوباش.

 إن نقص المواد الغذائية لا يقتل الشعوب الحية إنما يقتلها الحقد والكراهية، وتقتلها الأخلاق السيئة، وتقتلها النكاية حين يستسهلون استعمال كل الوسائل الخسيسة في تصفية حسابات لا علاقة لها بمسار البناء الحضاري لشعب أو لأمة.

 إن نقص المواد الغذائية لا يقتل الشعوب الحية إنما يقتلها الحقد والكراهية، وتقتلها الأخلاق السيئة، وتقتلها النكاية حين يستسهلون استعمال كل الوسائل الخسيسة في تصفية حسابات لا علاقة لها بمسار البناء الحضاري لشعب أو لأمة.

النضال الاجتماعي يجب أن يكون ضمن فلسفة انتصارية ورؤية للإنسان الشامخ المكرم، إن أسلوب التذلل والتشكي وكشف هزال النفس وتورّم البطن، إنما هو أسلوب مدمّر للإرادة ومثبّط للعزائم ومهين للكرامة الإنسانية.

إن المعركة الاجتماعية يمكن أن تخاض بكشف الأرقام الحقيقية لعناصر الأزمة: ضعف الأجور، وغلاء الأسعار، ونسبة البطالة، ونسبة الفقر، وعدد المهاجربن سرا، وعدد الضحايا في البحر، ومستوى عجز الدولة عن توفير الأدوية والحبوب وقطع الغيار، بعدها يمكن أن تتحول هذه الأرقام إلى وعي اجتماعي قد يؤدي إلى احتجاجات شعبية قوية؛ بهدف الضغط على الأنظمة الفاشلة لإجبارها على معالجة الأزمة أو لإسقاطها.

إن تحويل وضعية الفقر والخصاصة إلى مادة لتعيير السلطة من خلال إهانة الفقراء، هو عمل غير أخلاقي وغير حضاري وغير إنساني، علينا تحويل الفقر إلى نظرية في المقاومة، وأيضا إلى مدرسة في التضامن الاجتماعي.

لقد كان أبو ذر الغفاري متقدما في وعيه بكون الجوع منطلقا لثورة الكرامة والعدالة: "إني لأعجب لمن يبيت جائعا ولا يخرج.".

ولعل الشاعر الكبير مظفر النواب كان أحسن مترجم لتلك القولة حين صرخ:

الجوع أبو الكفار
وأنا الكافر بالجوع الكافر.

twitter.com/bahriarfaoui1
التعليقات (0)