تقارير

التهجير من مكونات الهوية الفلسطينية.. قصة لاجئ من صفد إلى سوريا

فوزي حميد.. لاجئ من صفد رفض الخروج من مخيم اليرموك رغم قساوة العيش حتى توفي فيه
فوزي حميد.. لاجئ من صفد رفض الخروج من مخيم اليرموك رغم قساوة العيش حتى توفي فيه
عاصر نكبتين؛ النكبة الكبرى حين هجرّ وعائلته من قرية دلاتة في قضاء مدينة صفد الجليلية باتجاه سوريا عام 1948، وكذلك نكبة مخيم اليرموك إثر قصف طائرة الميغ لجامع عبد القادر الحسيني في السادس عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2012، وفرار غالبية سكانه وعائلتي من ضمنهم إلى المنافي البعيدة والقريبة، إنه فوزي حميد "أبو نزار" الذي أبى الرحيل عن المخيم ولو لبرهة، وهو أحد أعلامه التربوية والوطنية على حد سواء ليكون بلسماً لأهالي المخيم المحاصرين المكلومين ومنادياً لعودة أهله المهجرين لكن دون جدوى.

رمزية السيرة والمسار

ولد فوزي محمد حميد في قرية دلاتة قضاء مدينة صفد الجليلية عام 1937 وهجر مع عائلته بقوة المجازر الصهيونية إلى سوريا من ضمن 85 ألف فلسطيني تركز معظمهم في العاصمة السورية دمشق لينتقلوا بعد ذلك إلى المخيمات بعد إنشائها. وقد تركزت عائلة فوزي حميد في مخيم اليرموك، حيث تابع تحصيله العلمي الجامعي وحصل على ليسانس من كلية الآداب قسم الجغرافيا في منتصف عقد الستينيات من القرن الماضي ليصبح مدرساً للمادة ويتخرج بفعل تدريسه لأجيال عديدة الكثيرون من كافة الاختصاصات؛ الطب والهندسة والعلوم الإنسانية والإعلام والحقوق.

توفي المربي والأستاذ وأبو الوطنية الصادقة فوزي حميد "أبا نزار" فجر يوم السبت السابع من شهر كانون الثاني/ يناير الجاري، ودفن في مقبرة مخيم اليرموك الذي أحبه وأهله وكان مدرساً صادقاً لأجيال عديدة في مدارس ومعاهد المخيم وبلسماً لجراحات من تبقوا تحت وطأة حصار وقصف وتقتيل جائر سقط خلاله العشرات بين شهيد وجريح ومعتقل.

إضافة لكونه معلماً لمادة الجغرافيا، ودرّس في عدد من مدارس مخيم اليرموك ومعاهده التعليمية، وتخرّج من تحت يديه أجيال كثيرة، أوفد الاستاذ والمربي الراحل فوزي حميد للتدريس في عدة دول عربية، وهي اليمن وليبيا في سبعينيات القرن الماضي. وقد انضم إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" منذ البدايات وبالتحديد عام 1966 أي بعد انطلاقتها بعام واحد، وعمل في العديد من هيئاتها؛ فضلاً عن جهده الماثل للعيان والدؤوب والنجاح في تنشئة عائلة وطنية مشهود لها بالأخلاق والتربية والعلم والانتماء الوطني المباشر في المخيم، وبهذا كان وسيبقى أيقونة وطنية فلسطينية حاضرة رغم غياب الجسم.

كان الراحل يمتك دار نشر "الكرامة" في شارع صفد وسط مخيم اليرموك. بدأ  التأليف والكتابة في العام 1985، وهو عضو في اتحاد الكتاب والصحفيين، وعضو في اتحاد الكتاب العرب لجنة الدراسات والبحوث منذ العام 1995 ومن أشهر مؤلفاته عالم الأديان بين الأسطورة والحقيقة 1993، الجغرافية القرآنية.. إعجاز علمي، حقائق وأباطيل في تاريخ بني إسرائيل، الإنسان درّة الله في خلقه 1995، الاستنساخ البشري بين التحليل والتحريم 1999، سوريا مهد الحضارات ومنطلق التاريخ 2001، فلسطين التاريخية.. الأرض الإنسان الحضارة 2003، احذروا الموبقات.. التدخين المخدرات الميسر الخمر، موسوعة علماء بلا حدود مجلدان، موسوعة التراث الوطني الفلسطيني2009، علم الأبدان بين العلم والايمان 2011، استراتيجية الخطر الصهيوني في معتقداتهم، صراع الوجود بين العرب واليهود 2020.

فوزي حميد وحصار المخيم

أصر الأستاذ والمربي الراحل  فوزي حميد "أبو نزار"على البقاء والصمود في مخيم اليرموك، ليلعب دوراً هاماً ومحورياً في إبراز صوت الأهالي المحاصرين إلى العالم، خلال فترة الحصار الجائر التي امتدت منذ 2013 حتّى العام 2018 وذهب ضحية ذلك أكثر من (200) شهيد من الجوع وشح الأدوية في داخل المخيم؛ وقد أسس الأستاذ الراحل، "الهيئة الأهليّة الفلسطينية" مع عدد من شخصيات المخيم وكباره وناشطيه، حيث قدمت الهيئة دوراً في تمثيل أهالي مخيّم اليرموك المهجرين إلى بلدات جنوب دمشق الثلاث؛ يلدا وببيلا وبيت سحم محاولة لتحييد المخيم عن القتال بين النظام والمعارضة.

وقد تعرض الأستاذ والمربي الراحل فوزي حميد رغم كبر سنه، للاعتقال من قبل أمن النظام السوري، وعدد من كبار السن، أثناء محاولتهم دخول مخيّم اليرموك عقب انتهاء العمليات العسكرية في أيّار/ مايو 2018 وخروج عناصر تنظيم "داعش"من المخيم. وعرف الأستاذ فوزي حميد، معلماً خلوقاً وهادئاً ومتمكناً من مادة الجغرافيا التي يدرسها، إضافة لكونه صوتاً وطنياً، أصرّعلى البقاء مع أبناء المخيم المحاصرين، ولعب دورا في الدفاع عن المدنيين المحاصرين، ولفت الأنظار إلى ما يتعرض له المخيم وأهله.

وقد ساهم المعلم الراحل فوزي حميد مع إخوانه في "الهيئة الأهلية الفلسطينية" في التخفيف من وطأة الحصار، حيث لعب دورا في إدخال المعونات الإنسانية، وساهم في إبقاء الفلسطينيين ككتلة واحدة خلال فترة حصار بلدات جنوب دمشق، وكان خير ممثل عنهم أمام الجهات المختلفة، هذا جنباً إلى جنب مع عمله الدؤوب في الاستمرار في إحياء المناسبات الوطنية الفلسطينية ومنها انطلاقة الثورة الفلسطينية ويوم الأرض الخالد، وذلك رغم الحصار وما تعرض له اللاجئون الفلسطينيون في مناطق مخيم اليرموك وجنوب دمشق خلال تلك السنوات المريرة.

وبهذا يعتبرالراحل فوزي محمد حميد قامة تربوية لأجيال عديدة من الفلسطينيين وكذلك أيقونة وطنية فلسطينية؛ وقد تأكد ذلك بعد رحيله من خلال نعيه واستحضار مناقبه من قبل طلابه على وسائل التواصل الاجتماعي .

*كاتب فلسطيني مقيم في هولندا
التعليقات (0)