قضايا وآراء

في الذكرى العاشرة: للتونسيين أن يطرحوا أسئلة الثورة

بحري العرفاوي
1300x600
1300x600
يحتفل التونسيون هذه الأيام بالذكرى العاشرة لهروب رمز النظام القديم ولتفجر أشواق الناس وأحلامهم، ولارتفاع أصواتهم واتساع دائرة حرياتهم. عشر سنوات كاملة مضت والتونسيون يشتغلون على مفردة "الثورة" ويخوضون حراكا وتفاعلا لم يعرفوه من قبل، وعلى كل المستويات سياسيا وإعلاميا وثقافيا ونقابيا وحتى عبثيا.

والسؤال المركزي بعد هذه السنوات العشر هو: هل أنجبت "الثورة" ثوريين؟ هل أنتجت النخبة فلسفة في الثورة؟ هل حقق السياسيون أحلام الناس في نظام اجتماعي عادل وفي تنمية جهوية متوازنة، وفي نظام تشغيلي مُطمئن للشباب من خريجي الجامعات ومن أصحاب المهارات والحِرف؟

عشر سنوات هي مدة زمنية مهمة لإحداثِ قَدْرٍ من التغيير في الأفكار والرؤى والقيم وفي العلاقات وموازين القوى، وهي فترة تبدو أيضا كافية لإحداث درجة غير يسيرة من القطع مع الماضي بما هو عقلية وقيم وممارسات، وبما هو شخوصٌ ورموز سياسية تداولت على المناصب والوظائف ومراكز القرار.

هل استطاع التونسيون في هذه السنوات العشر إنجاز نقلة نوعية على المستوى القيَمي والعلائقي والهيكلي وعلى مستوى ظروف الناس المعيشية؟ هل استطاعوا تفكيك الجهاز القديم واستبداله بجهاز جديد؟ وهل استطاعوا في النهاية استعادة إرادتهم المغتصبة من بين أيدي المستبدين والمُزَوّرين والمفسدين ولوبيات المال والتهريب والإرهاب؟

ونحن نحتفل بهذه الذكرى علينا ألا نجعل من احتفالنا مجرد سهر وطرب وامتداح لشجاعة الشجعان وفروسية الفرسان، وألا نكتفي بالترحم على الشهداء رحمهم الله تعالى وبعثهم في عليين، إنما علينا طرح الأسئلة الحدَث وتقييم حصاد سنوات عشر ساخنة وحبلى بالأحداث والمفاعيل، علينا تأمل المسافة الفاصلة بين ما هو كائن وما كان منتظرا أن يكون.. بين شعارات من سدّوا الشوارع على الاستبداد حتى أخرجوه منكسرا مهزوما خائبا، وبين ما انتهى إليه المشهد السياسي اليوم، وخاصة بعد آخر انتخابات برلمانية عبّرت عن مزاج عام لدى التونسيين من خلال إنتاجهم لكُتَل برلمانية هي انعكاسٌ - في الغالب - لردود فعل مزاجية وليست تعبيرا عن مواقف مدروسة وواعية.

ما الذي تحقق للفقراء والمُعدَمين والمعَطَّلين؟ ما الذي كسبته الجهات المنسية وقد سالت فيها دماء شبابها غير تشويهها بلوثة "الإرهاب" وتحويلها إلى منطقة عسكرية مغلقة؟ ما الذي تحقق لضحايا عقود من الاستبداد ولذُرّيات الشهداء والمفقودين والمُحطمين؟ ما الذي حققته "العدالة" للمظلومين وهم يشاهدون ظالميهم يستعيدون السيطرة على المشهد من جديد، بل ويتوعدون ضحاياهم باستئناف جرائمهم ضدهم؟

أسباب الفشل أو العثرات لا يمكن ردها دائما إلى مؤامرات الآخرين، وإنما علينا أن نتهم أنفسنا بالتقصير والعجز وسوء التصرف وضعف الحكمة وافتقاد الرؤية، وفي السياسة لا وجود لضحايا إنما يوجد فاشلون وعاجزون أو فاقدو تجربة ودراية، وهذه مناسبة لكي يُحاسِبَ المعنيون بالثورة أنفسهم بشجاعة وصرامة وموضوعية، ولكي يراجعوا "نظريتهم" في "الثورة" وتمشياتهم في معالجة الأوضاع، وفي الخروج من "الماضي" إلى "المستقبل" ومن "القديم" إلى "الجديد".

كيف استطاعت "الدولة العميقة" ابتلاع القوم، وهم يحتفلون، وهم يتنافسون، وهم يتقاسمون الأمجاد والمكاسبَ؟ كيف ومتى اشتغلت تلك "العميقة" ولم يرها أحدٌ ولم تخرج في الساحات والملاعب حتى حصدت أصوات ضحاياها، فحملوها على أعناقهم يمتدحون مصاصي دمائهم ويلهجون بالشوق إلى عودة سلطانهم؟ كيف خسر المعنيون بـ"الثورة" مكانتهم السياسية في أول محطة انتخابية هامة، وبعد سنوات قصيرة في تجربة الحكم وبعد سنوات طويلة من الخطاب والتنظير والتحشيد؟

لقد أصيب الكثير من الحالمين ومن الحماسيين بالصدمة والخيبة وحتى ببعض اليأس، وقد انتاب الكثيرين شك في صفاء معدن الشعب، كما تملّك الكثيرين خوفٌ من عودة سنوات الأحزان والأوجاع بسبب عودة رموز الاستبداد.

إننا لا نخشى المستبدين قَدْرَ خشيتنا من المهزومين الخائفين، وقدر خشيتنا من الانتهازيين الذين سارعوا إلى احتلال مقاعد أمامية عشية 14 كانون الثاني/ يناير 2011 وتكلموا في "الثورة" بخطاب أجوف ريائي منافق كاذب.. إنهم هم من شوّش على ثقافة الثورة، وهم من روجوا خطابا سطحيا أجوف فزيّفوا الوعي وأشاعوا الوهم، وغالطوا العامة حين استسهلوا القول بنجاح "الثورة" ولم يتحملوا مسؤولية التنظير لها ومسؤولية استنبات الوعي وإشاعة الأفكار والمعاني وتصليب الإرادة ودعم روح المقاومة الثقافية والأخلاقية من أجل مستقبل أرقى وأنقى. الواهمون يومها هم الخائفون اليوم، الغنائميون يومها هم المُحبطون اليوم، المنافقون يومها همُ الجبناء اليوم.

إننا لم نفاجأ بتعثر المسار لإيماننا دائما بكون المقدمات لها مآلاتها الحتمية، ولسنا مهزومين اليوم ونحن نحيي الذكرى العاشرة لسؤال "الثورة".

سنظل نخوض معركة الأفكار والمعاني والقيم وسنظل نستحث السير على بصيرة باتجاه مستقبل مختلف أرقى وأنقى، وسنظل نستنبتُ معاني الحياة والكرامة والعدالة ونؤجج أشواق الحرية ونُذكي إرادة التحرر، سنظل مسكونين بالسؤال وبالأمل والأشواق، لا نيأس ولا نخاف ولا نتردد في قول ما يجب وكما يجب ومتى يجب، وسنظل مؤمنين بكون الحق لا ينال من كونه حقا ضعفُ أنصاره وكون الباطل لا يستحيل حقا بسبب كثرة أتباعه.

إن الثورة رؤية ومسار وذهابٌ مبصر إلى مستقبل دائم ، إن الثورة ليست شجرة يُمكن أن تُجتث أو تحرق ولكنها دفقُ ماء من بين صخور جبال لا تنحني ولا تغير أمكنتها.

twitter.com/bahriarfaoui1
التعليقات (0)

خبر عاجل