قضايا وآراء

عن صيف التهافت على التطبيع

هارون عبد الرحمن
1300x600
1300x600

سيذكر العرب للعام 2020 أنه عام كورونا، وأن صيفه شهد تهافتا على نيل رضا الكيان المسخ. تعددت مذاهب المرتمين عند أقدام الكيان، فهل نقول إن القوم مشوا على خطى أبي رغال؟ لن يعجب هذا الكلام الأصولي الحكم المتنور في الإمارات، المعادي للدين والتدين. لنقل إذن إنهم باعوا فلسطين بثلاثين من الفضة (كما فعل يهوذا الأسخريوطي في السيد المسيح بحسب إنجيل متى)، فصدر القوم، على ما يبدو، أكثر انشراحا لموضوعة الدين، حين تستظل بعباءة التراث الإبراهيمي. ليس من حب القوم في الإسلام "المعتدل" أو المسيحية، ولا حتى في دين "أم هارون"، ولكن من ذوبهم عشقا في دين أم "نتنياهو" (أيا ما كان مذهبها) وكل ما يقربهم إليه زلفى.


وبالرغم من الافتراق الحاد مع التدين، يحرص هؤلاء على توسيخ عباءة الدين، بخطواتهم "الشجاعة"، فينسبون لأبي الحنيفية الإعلان الأكثر انحرافا عن الفضيلة، ربما منذ أن قال النمرود لإبراهيم الخليل: "أنا أحيي وأميت". يتواصى القوم بالإساءة للمقدسات بتطبيعهم، وما تقاصرت عنه هِمَمُهُمْ يكمله "كوشنر"، الذي حرص على تبشيرنا بقرب وصول الركبان لزيارة المسجد الأقصى، على متن الطائر غير الميمون، من حاضرة "بلاك ووتر". أَمِثْلُهُمْ يدل الزائرين على الأقصى؟ تخيلوا أن يقوم أبرهة برفادة البيت، ويعكف المسيح الدجال على السقاية! آسف، لقد نسيت، فلا حاجة بنا هنا للتخيل كثيرا.

شخص ما مدرج على كشوف رواتب الإمارات ويتحدر من اليمن؛ يقول: "إذا فتحت زيارة الجنوبيين لتل أبيب، وتم قبلها توقيع خطة السلام بين الإمارات وإسرائيل (هذه لزوم الراتب الآنف ذكره)، سأقوم بزيارة اليهود الجنوبيين في بيوتهم وسأذهب معهم إلى القدس وسأصلي في المسجد الأقصى". والفلاح الفلسطيني يقول: "يصلي جنابك"، لكل من يتمحك بالصلاة، كذريعة للتقاعس وسوء الصنيع.

لكن جائزة الإبداع في الاستهزاء بالرسالات قاطبة في أثناء قضاء "حاجة شجاعة" (ومع مسحة لا يمكن إنكارها من الطرافة والإمتاع) تذهب للسيد حيدر بدوي صادق، الناطق باسم وزارة الخارجية في السودان. قال سَمِيُّ من قال "أنا الذي سمتني أمي حيدرة": "علاقتنا مع اليهود قديمة منذ عهد موسى عليه السلام"؛ على اعتبار أن النبي موسى نوبي، بحسب بعض مسارات التحليل التاريخي. وهكذا، فإن حيدر المطبع يحب "مرحب" الخيبري ولن يبارزه. وصارت قصة التطبيع أشبه بقصة "ساندريلا": يتهافت فيها حشد كبير على لفت أنظار الأمير وغوايته ونيل إعجابه، لكن لا الأمير فارس وسيم، ولا المتزلفون غوانٍ!

يراوح السيد صادق بين لملمة ما تبقى من حطام كرامة النظام الذي يمثل، حين يقول؛ "إن السودان سيكون أهم بلد تطبع معه إسرائيل"، وبين الغمز في قناة أبناء العمومة والخؤولة في الشمال، فيقول إن تطبيع بلاده سيكون أهم من تطبيع مصر. أين أنت يا شعبان عبد الرحيم عندما نحتاجك؟ هذا وقت كتابة أغنية تكون اللازمة فيها: "تطبيعنا أحسن من تطبيعكم"، أو نحو ذلك. لكن على ما يبدو، فإن دوائر الحكم في السودان تتنازعها أذرع نفوذ عدة، ويشير إلى ذلك قول صادق؛ "إن بلاده تطمح إلى تطبيع قائم على مكاسب للجميع، بما في ذلك السعودية"، وأن "قرار السودان ليس تبعا لقرار الإمارات التطبيع مع إسرائيل".

ثم كان هناك تصريح مكتوب لعبد الفتاح السيسي قال فيه؛ إنه تابع "باهتمام وتقدير بالغ، البيان المشترك الثلاثي.. إلخ"، وأنا تابعت باهتمام بالغ قدرته على الكتابة بوضوح، بخلاف الاضطراب الذي يظهر عليه طبيب الفلاسفة ذو الفلاتر، حين يتحدث. إما أنه حل مشاكله في الإفصاح والتعبير أو أن أحدا ما يكتب له. ولن يكون غريبا أن يكون عند هؤلاء من يكتب لهم تغريداتهم، بل إن من الواضح أن الشركات الاستشارية الدولية تغرف من مال المستبدين حتى في هذا المضمار. انظر إلى "تغريدة" وزير خارجية الإمارات حيث يقول: "لا نقبل التدخل في قراراتنا كما نرفض التهديد والوعيد، سواء كان مبعثه التنمر أو القلق. القرارات الاستراتيجية تحوليّة ولها وقعها وتأثيرها، وقرارنا مستقبلي يعزّز موقعنا وتنافسيتنا".

من المؤكد أن صفات "تحولية" و"لها وقعها وتأثيرها" مستوردة من الإنجليزية، تحديدا من حقل لغة الأعمال، ولا يمكن أن ترد عفو الخاطر في رأس سياسي عربي، يتحدث مع شعبه. مثل ذلك يقال في تعبير "تعزيز التنافسية"، الذي يصح استخدامه حين تقرر شركة ما تركيز استثماراتها من قطاع لآخر، ولم يوضع للاستخدام في المتاجرة بالأوطان. لكن، هذه هي طريقة الوزير البائسة في الترويج لتطبيعه قياسا بتطبيع الآخرين. أو لنتبع نهجه في الاستعارة من لغة الأعمال في الإنجليزية فنقول: هو "يضع أحمر الشفاه لخنزير"، للتعمية على ما هو قبيح وقميء بشكل فاقع.

سلطنة عمان كان لها موقف هنأت فيه الجار الإماراتي على "الخطوة التاريخية"، وتعالت على الخلاف معه (نسخة لحيدر صادق) في سبيل تسجيل الحضور في حفلة سندريلا.

ما يحدث يصيبنا بالاشمئزاز والغثيان، يجب أن نشعر إزاءه بالغضب الشديد والحنق. لكن هل ما يحدث هو نعي للقضية؟ بكل موضوعية أشك في ذلك كثيرا. هي صفحة مؤلمة لا ريب، لكنها تعبر عن تهافت المطبعين، وتصفهم أكثر مما تصف حال القضية الفلسطينية وقيمتها عند أبناء الشعب العربي.

يتكئ الكيان الصهيوني على دعم وتغطية من أنظمة متداعية، حلقت ما كان لدى أجيال حكامها الأولى (على فساد واستبداد أكثرهم) من كرامة، أو رزانة حقيقية أو متكلفة. ليس بمثل هؤلاء المغامرين المارقين تنجز المهمات الكبرى. لن تهلك الأمة العربية على يد أغيلمات سرقوا مفاتيح المدرسة، وأقاموا حفلا للابتذال في ساحتها، في ظل غياب الإدارة والمدرسين، بل في غياب أي رجل رشيد. لن تفلح في هدم القضية الفلسطينية أشياخ شابت في اغتصاب الحكم، وأعياها زواج الأقارب، والخضوع للأجنبي، وتوارث لعنة القتل المتبادل بين الإخوة المتصارعين على الملك. صحيح أنهم يقفون عقبة كؤودا في وجه التحرير والتنمية العربية الحقة، لكن الرثاثة التي تقطر من كلماتهم وأفعالهم تمنحنا الأمل بأننا لن نعدم فرصة للتغيير، في أرض لا زالت تمور تحت سلطانهم المهلهل، رغم الادعاء بغير ذلك. وساعة تحين لحظة التغيير، سنكتب نعي هذه الحقبة بكل سرور، وسنستعين بالرئيس التونسي ليكتب النعي بخطه الجميل جدا، ولن نطلب منه ما هو أكثر من ذلك، فهو ليس يطيقه أو يحسنه.

التعليقات (0)