قضايا وآراء

هل يبارك العالم احتلال روسيا لسوريا؟

1300x600
بدأت الأهدافُ والنوايا الروسية أكثرَ وضوحا وتبلورا في الشهور الأخيرة، فالهدف الرئيس وَفق السياسات الروسية الأخيرة لا يمُت بصلة لمحاربة الإرهاب، ولا يهدفُ بالضرورة الحفاظ على الأسد ونظامه.

إنَّ السياسةَ الروسية تُشبِهُ لحدٍّ ما سياسة الدول الاستعمارية مطلع القرن العشرين، عندما كانت تفرض إرادتها على الدول المُستعمَرة. وليس ذلك التصرف بعيدا عن روسيا التي احتلت القرم وشرق أوكرانيا احتلالا مباشر، واحتلت عددا من جمهوريات الاتحاد السوفييتي احتلالا غير مباشر، وثمة مؤشرات كثيرة تفضح نيّة روسيا ورغبتها في جعل سوريا منطقة نفوذ روسيّة خالصة.

أنقذ التدخل العسكري الروسي في 30 أيلول/ سبتمبر 2015م نظام الأسد من الانهيار فقال لافروف: "كانت دمشق ستسقط بيد الإرهابيين خلال أسبوعين أو ثلاثة لولا التدخل الروسي"، وشكل التدخل العسكري الروسي منعطفا حقيقيا للأطماع الروسية، إذ أصبح الروس يتعاملون مع النظام ورأسه كعملاء ينفذون الأوامر الروسية، فاستُدعيَ بشار على عجل للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في روسيا في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2015م، للاستماع للرؤية الروسية وتنفيذها.

وظهرت تبعية رأس النظام مرة أخرى 18 حزيران/ سبتمبر 2016م، عندما استدعي مرة أخرى للقاء شخصية روسية رفيعة، في سوريا، ليُفاجأ رأسُ النظام بوزير الدفاع الروسي، وأُجبر النظام على توقيع اتفاقية عسكرية مع روسية لا تختلف نهائيا عن الاتفاقات العسكرية التي كانت تبرمها الدول المُستعمِرة مع الدول المُستعمَرة.

لو اقتصر الأمر على ما سبق لجزمنا بنيّة الروس الحفاظ على نظام الأسد باعتباره منفِّذا طيِّعا للأوامر الروسية، لكنَّ الروس يدركون استحالة بقاء نظام الأسد في صورته الحالية. لذلك تزامن تدخلهم العسكري بالعمل على مسارات أخرى تصبُّ في ساقية الهدف الرئيس.

إذ عمل الروس على صناعة معارضة سورية مرتبطة بالقرار الروسي الخالص كمنصة موسكو، ودفعوا بها لجنيف وفرضوها رقما في المفاوضات، وفرضوا منصة القاهرة المتلاقية مع السياسة الروسية، وبذلك نجح الروس بتأمين طرفين، عدا النظام، ينفذان المصالح الروسية في جنيف.

ولعلّ الخطوة الأبرز تمثلت بمسعى التقرّب من طيف واسع من المعارضة العسكرية في الداخل من خلال مؤتمر أستانا، إذ فرضت روسيا نفسها كوسيط في الصراع لا طرفا، وتحاولُ روسيا فرضَ رؤيتها على الهيئة العليا للمفاوضات من خلال دمج منصتي موسكو والقاهرة في وفد المعارضة، مقابل ممارسة ضغوط على النظام للقبول بمناقشة الانتقال السياسي.

هذه السياسة الروسية تجعل الروس ممسكين بخيوط اللعبة من خلال السيطرتين العسكرية والسياسية، ووصل الأمر لإعداد روسيا دستورا سوريا، وطرحه على النظام والمعارضة للنقاش. وإن رفض النظام والمعارضة الدستور، إلا أن ذلك يعكس حجم الدور الروسي.

ويدرك الروس أن ثمة عوائق كثيرة تقف دون تحقيق مشروعهم، لذلك يعملون على إزالتها عائقا بعد آخر.

فالميدان خاضع للمليشيات الطائفية المرتبطة بإيران، فبدأت العمل على إعادة إحياء الجيش السوري من خلال إنشاء فيالق سورية خالصة، كالفيلق الخامس اقتحام، فازدادت عمليات سوق السوريين للخدمة الاحتياطية لتطال من وصلوا للأربعينيات من العمر. وبذلك تمهد لخروج المليشيات الطائفية، وإنهاء النفوذ الإيراني من جهة. ومن جهة، تكسب روسيا الخليج العربي الرافض والمتخوف من الوجود الإيراني.

ودفع التقاربُ الروسي التركي نحو تحقيق الأهداف الروسية، فقد لعبت تركيا دورا بارزا في لقاءات أستانة. هذه اللقاءات التي اندرجت ضمن تفاهمات عديدة أبرزها تأمين خروج المعارضة من حلب، والسماح لقوات "درع الفرات" المدعومة تركيا من السيطرة على مدينة الباب، مما يعني اتفاقا ضمنيا بين الأتراك والروس لا يسمحُ للأكراد بإنشاء كيان كردي انفصالي، إقليم يؤرق الأتراك، وهذا ما يفسر رعايةَ الروس لتسليم الأكراد قرى غرب منبج للنظام، وتوافق روسي-تركي إلى حد بعيد في سوريا. فالحكومة التركية باتت على استعداد لأي سيناريو شريطة ألا يُسمَح للأكراد إنشاء كيان انفصالي كردي على الحدود الجنوبية لتركيا، ولعل غياب الأكراد عن جنيف 4 يندرج في هذا السياق.

ولا يشكل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقبة أمام المشروع الروسي، فالولايات المتحدة لا تنظر لسوريا باعتبارها منطقة نفوذ أمريكية، فما يهم الأمريكان في سوريا ثلاثة أمور؛ أمن إسرائيل، إيران، تنظيم الدولة.

ومن المؤكد أن روسيا ستضمن أمرين، وستحاول بالثالث، فلا يخفى حجم التنسيق الروسي الإسرائيلي في سوريا. فقد قصفت إسرائيل ما أرادت بوجود الدفاعات المتطورة، والزيارات التشاورية بين روسيا وإسرائيل لا تتوقف، ومنها زيارة نتنياهو لموسكو بعد أيام.

أما تنظيم الدولة فهو الذريعة للتدخل الروسي، وستجتهد روسيا - لاحقا - في حرب التنظيم لتلميع صورتها، وتبرير وجودها الطويل في سوريا.

أمّا إيران فهي الورقة التي سيساوم الروس ترمب عليها، إذ سيحاول الروس تحييد إيران، وطردها من سوريا، مقابل سماح ترامب بنفوذ روسي في سوريا.

أمّا المعارضة السياسية المُطعمَة بمنصتي الرياض وموسكو؛ فسيتم ترويضها من خلال تغيير رأس النظام، وتغيير صبغته الطائفية مع الحفاظ على المؤسسة العسكرية المرتبطة بالروس، أي سيسحب الروس ذريعة الطائفية من خلال المجيء بواجهات سنية تشبه كثيرا الزعامات السنية العربية، واجهات سنية لا تختلف شيئا عن بشار، تؤمن بالاستبداد، وترى الديمقراطية منكرا لا يجوز الاقتراب منه.

أصعب ما في هذا السيناريو تحييد إيران التي استثمرت كثيرا من الدماء والأموال في سوريا، ولكنّ الواقع الميداني يثبت تحولا في العمليات العسكرية فتدمر استعادها النظام السوري بفضل الروس. فالمستشارون الروس هم من أشرف وخطط لاستعادة تدمر وفق وزارة الدفاع الروسية، والشرطة الروسية تتجول في شوارع حلب، وخروج الثوار من حلب الشرقية تم من دون استشارة إيران، وكذلك مباحثات أنقرة التي مهدت لأستانة.

أما النظام السوري فقد تآكل، ويعيش بغرفة الإنعاش الروسية، وبالتالي لا يستطيع أن يوافق أو يعارض أيّة رؤية روسية للمستقبل السوري.

والثائر الذي يعارض سيتم تصنيفه إرهابيا لجوار تنظيم الدولة، وربما ترغب أمريكا بوجود معارضة وطنية سورية مسلحة ضد الوجود الروسي تستنزف روسيا مع الأيام، وتبقى ورقة تساوم عليها، وتتاجر بها في المحافل الدولية. فهل نرى احتلالا روسيا يخرج المحتل الإيراني، ويباركه الجميع؟