أفكَار

بشرى بلحاج حميدة: النسوية العربية تفتقد لعمق مجتمعي

بشرى بلحاج حميدة: لا أرفض الاستفادة من الموروث الثقافي الإسلامي ومن نقاطه المضيئة (أنترنت)

مازال موضوع المرأة وموقعها في الإسلام يثير جدلا فكريا وحقوقيا وسياسيا في مختلف مواقع القرار في العالم.. ولازالت الاتهامات للإسلام والإسلاميين باستضعاف المرأة وامتهانها تجتاح الكثير من المنظمات الحقوقية وتقاريرها ذات التأثير السياسي الكبير.

ومع أن علماء الإسلام من الرجال والنساء، قبل قادة العمل الإسلامي قد برهنوا بالملموس على فهم تقدمي لحقوق الإنسان بشكل عام، والمرأة بشكل أخص، إلا أن ذلك لم يحسم الجدل بشأن المطلوب من أجل الوصول لتحقيق العدل في العلاقة بين المرأة والرجل باعتباره جزءا من تحقيق العدل بين مختلف بني البشر.

ولقد فتحت ثورات الربيع العربي التي أسقطت جدران الخوف والاستبداد الباب واسعا للنقاش حول مختلف الملفات من دون خطوط حمر، وعاد ملف المرأة مجددا ليتصدر المشهد، ليس فقط في المستوى الحقوقي المتصل بالقضايا الأسرية العابرة، وإنما في القضايا الفقهية الرئيسية المتصلة بالحقوق المدنية، ولا سيما منها الميراث والولاية.. 

"عربي21" تفتح ملف الحقوق الأساسية للمرأة في الإسلام، في سلسلة من التقارير والحوارات الفكرية، في سياق إدارة حوار فكري بناء يسهم في تقديم فهم أعمق للحقوق الأساسية للمرأة في الإسلام ولدورها في المجتمع.

اليوم يحاور الإعلامي والصحفي التونسي الحسين بن عمر واحدة من الناشطات العربيات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة العربية، وهي رئيسة لجنة الحريات في تونس بشرى بلحاج حميدة.

 

إرث حقوق المرأة في تونس


لم يكد دستور 27 كانون ثاني (يناير) 2014 ينهي الجدل الحاد في تونس حول الهويّة، الذي وسم علاقة النخب الفكرية واصطفافاتها منذ سبعينيات القرن الماضي، فيما يتعلّق بحدود التعامل مع النص القرآني ومجالات تأويله، من خلال التأكيد في فصله الأوّل على أنّ الإسلام هو دين الدّولة فضلا عن تأكيد توطئته على "تمسك الشعب التونسي بتعاليم الإسلام ومقاصده المتّسمة بالتفتّح والاعتدال"، حتى أعاد تقرير "لجنة الحريات الفردية والمساواة"، التي أذن الرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي بإحداثها، بمقتضى الأمر الرئاسي عدد 111 لسنة 2017، وهج الجدل الفكري والإيديولوجي، نتيجة ما تضمنه التقرير المذكور من توصية بتفعيل "المساواة في الميراث" وإلغاء تجريم "المثليّة الجنسيّة".
 
ولئن مثلت المرأة، قضيّة مركزيّة لدى امتدادات حركة الإصلاح في بداية القرن العشرين، وبالخصوص لدى الشيخين محمد النخلي القصراوي وتلميذه الطّاهر الحدّاد والعلاّمة محمد الطّاهر بن عاشور، إذ اعتبر هؤلاء أنّ دخول المرأة إلى معترك النضال الاجتماعي والسياسي مع الرجل، يعتبر ممرّا إجباريّا لتقدّم المجتمع العربي الإسلامي وتونس مثالا له، وأنّ خمائر هذا الوعي بدأت مع مُصلحي القرن التاسع عشر مع أحمد بن أبي الضياف ومحمّد السنوسي، وفق ما ورد في كتاب "النخبة والحريّة: تونس في الثلث الأوّل من القرن العشرين" لكاتبه جمال الدّين دراويل، أستاذ الحضارة بجامعة قرطاج، ورغم ما أبدته حركة النهضة، كبرى تعبيرات الإسلام السياسي في البلاد وأكبر طرف سياسي ساهم في إرساء دستور الجمهوريّة الثانية، من تأكيد متواصل على دفاعها عن حرية الضمير ومطالبتها لا فقط بالحفاظ على مكاسب "امرأة الحدّاد" بل وتطويرها، فإنّ الجمعيات النّسويّة، ذات الخلفيّة اليساريّة، والمتبنّية للهويّة الجندريّة، بما هي صياغة معرفيّة وهويّة نسوية جديدة، ظلت تنظر بكثير من الرّيبة لإمكانيّة مصالحة هذه الجندريّة مع المنظومة الفقهيّة الإسلامية، خاصّة أمام الرّفض القطعي والمتواصل الذي تبديه الجامعة الزيتونيّة وتعبيرات الإسلام السياسي لموضوعي المساواة في الميراث والمثلية الجنسيّة.

هذا التصادم المتواصل بين دعاة الرؤية الجندريّة من جهة، وبين المؤسسة الرسمية الدينيّة ومجمل التعبيرات السياسيّة المحافظة من جهة ثانية، وما أفرزته نتائج الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة لسنة 2019، من تقدّم لافت لخصوم تقرير "لجنة الحريات الفردية والمساواة"، يضاف إليهما تصريح عبيد البريكي، الشخصية اليسارية المعروفة ومرشح رئاسيّة 2019، بأنّ اليسار مدعوّ إلى مراجعة جوهريّة في أساليب الخطاب وآلياته، فيما يتعلق بالدفاع عمّا اعتبره قضايا مبدئيّة من قبيل "المساواة في الميراث" و"المثلية الجنسيّة"، كلّ ذلك مثّل دافعا مهمّا لمناقشة أفق العمل النسوي العربي، في خضمّ التحولات الكبرى التي تعرفها المنطقة منذ 2011، والتي "تدفع بالمكبوتات الهووية الكامنة إلى الاستيقاظ زمن الانتقالات الحاسمة"، وفق ما ذهب إليه الباحث المغربي عبد الرزاق الدّوّاي في كتابه "في الثقافة والخطاب عن حرب الثقافات: حوار الهويّات الوطنية في زمن العولمة"، ونحن نناقش هذه القضايا مع إحدى أبرز وجوه العمل النسوي التونسي والعربي، الأستاذة بشرى بلحاج حميدة، مؤسسة جمعية النساء الديمقراطيات ورئيستها بين 1995-2001، ورئيسة "لجنة الحريات الفرديّة والمساواة".

في الحوار التالي، تميط بلحاج حميدة اللّثام عن العقبات الكأداء التي حالت دون جسر الهوة بين الأفكار النسوية ومؤسسات المجتمع المحافظ، من خلال تجربتها الثرية على رأس "لجنة الحريات الفردية والمساواة". كما يحفر الحوار عميقا في عوائق العمل النسوي وأسباب انحساره رغم أهميّة الورشات المشتغل عليها، في اتجاه استخلاص آليات مثلى تضمن تحقيق أكثر ما يمكن من المكاسب النسوية الإنسانية في مجتمع عربي تقليدي، بعيدا عن المناكفات السياسية والمعارك الانتخابيّة، وفي ظلّ صيرورة معرفيّة، انتقلت فيها الحركات النسوية العالمية إلى ما هو أعمق من مجرّد المطالبة بالمساواة، إذ أصبحت تدعو إلى بناء هويّة نسويّة جندريّة.

 



س ـ لو نبدأ بتقرير "لجنة الحريات الفردية والمساواة" الذي أثار الكثير من الغبار، منذ صدور الأمر الرئاسي المنظّم، في الوقت الذي يعرّف فيه التقرير نفسه على كونه اجتهادا مقاصديا من داخل المنظومة الاسلامية، نجده ينبّه في نفس الوقت من الخلط بين الديني والقانوني فيما يتعلق بالحريات الأساسية، فهل من توضيح؟


 ـ بنيت مقاربة التقرير على فصل منهجي واضح بين الشريعة بوصفها قراءة معينة للدين وبين الدّين نفسه. بمعنى أنّ استمراء البعض لتصوّر معيّن للدين لا يجب أن يكون حائلا دون حق الغير في تبني تصور آخر مغاير للدين الإسلامي، بعيدا عن مربّعات التخوين والتكفير. وقد استأنست مقاربتنا هذه بتوطئة دستور جانفي 2014، التي أشارت إلى "تمسك شعبنا بتعاليم الإسلام ومقاصده المتّسمة بالتفتّح والاعتدال". ثم أنّ المعالجة المقاصديّة التي طرحها التقرير لا تتعلق ضرورة بما هو فقهي ديني بقدر ما هي معالجة لقضايا اجتماعية وإنسانية، تدفع في اتجاه التحرر من الاستبداد والعقليات الذكورية.

لا يجب حشرنا في قراءة أحاديّة للدين الإسلامي، طالما هنالك من يقول بأن الإسلام يملك من الأجوبة الصالحة لكل زمان ومكان وأن الإسلام جاء استجابة لطموحات الإنسان في الحرية، فلو أخذنا ببعض القراءات المتشددة وغير المنفتحة للإسلام، ربما بقيت المرأة تعيش ما كانت تعيشه في الجاهلية أو في بداية ظهور الإسلام.

س ـ جميل، طالما أنك تتحدثين عن اجتهادات من داخل المدرسة الإسلامية، من المهم الإشارة إلى مؤاخذات خصوم التقرير تتعلّق بما يسمّونه قطيعة أو فجوة، بينكم وبين المؤسسة الدينية الرسميّة والممثلة في جامعة الزيتونة، ما رأيكم؟


 ـ أؤكد لكم أنه بوصفي رئيسة لـ"لجنة الحريات الأساسيّة والمساواة"، فقد وجهت الدعوة على الأقل لخمسين أستاذا جامعيا من جامعة الزيتونة، وقد سلّمت الدعوات شخصيا للسيد رئيس الجامعة، بناء على طلبه هو بتخصيص خمسين دعوة من أجل المساهمة في النقاش والقيام بحوار جدي، وقد حضر منهم فقط سبع وعشرون أستاذا. والخلاصة التي انتهينا إليها بعد محاورة السبعة والعشرين، هي أنه لا توجد قراءة واحدة وليس هناك تأويل واحد للنصوص الدينيّة.

س ـ لكن لماذا غاب عن تركيبة لجنتكم، أو عن حزامها، جزء ولو يسير من الإطار التدريسي لجامعة الزيتونة؟ وإنه من المهم تذكيركم هنا بأنّ الإصلاح الديني في التجربة التاريخية الأوروبية، الذي تزعمه لوثر وكلفن في القرن السادس عشر، هو من مثّل جسرا لولوج الحداثة الغربية، وهذا ما أكّده ماكس فيبر في كتابه "الأخلاق البروتستانتية والروح الرّأسمالية"، فمحاولات إصلاحكم جاءت من خارج المؤسسة الدينية، وربّما هذا هو سبب تلاشي مشروعكم بين رفوف المكاتب.

 


 ـ لقد سعينا من خلال التقرير إلى مراكمة الوعي النسوي وها نحن نلحظ نتائجه ولو ببطء، ولعلمكم هناك ظرفية خاصة تتعلق بجامعة الزيتونة، هناك عدة ضغوطات مسلطة على بعض الأساتذة، وصلت حد العنف المعنوي، وهذه مناسبة مواتية لأفصح عن هذه التجاوزات لأوّل مرّة. تمت ممارسة ضغوطات، منعت بعض الأساتذة من التصريح بمواقفهم. علاوة على عدم سعي الجامعة للحوار البناء حول المشروع، فإنه وجب التذكير بحالة الخوف، الناجمة عن التّجييش الذي تم في خطب الجمعة ضد اللجنة وأعضائها. وقد بلغتني، عن طريق المصلين، خطابات الكراهية والتحريض على العنف ضدّي وضدّ أعضاء اللجنة، من قبل عديد أئمة الجمعة والتي وصلت حدّ التكفير. وبالتالي فنحن لسنا في قطيعة تامّة مع المؤسسة الزيتونيّة.

س ـ كثيرا ما وصّفت الرّفض الكبير أو الهجمة ضدّك بتلك المحنة التي تعرض لها الحداد عقب نشر كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، لكن الشيخ الزيتوني الطاهر الحداد كان له حزام فكري وأكاديمي من داخل المؤسسة الزيتونية وإن لم يكن أغلبيّة، عكس ما أنتم عليه اليوم من موقع محاصرة، الباحث جمال الدين دراويل يقول أن أفكار الحداد كانت مواصلة لأفكار أستاذه الشيخ محمد النخلي القصراوي وأنّ العلاّمة محمد الطّاهر بن عاشور لم يشنّع عليه كتابه بصفته، وأنّ خلاف الزيتونيين كان خلافا جهويّا لا فكريّا، باعتبار الحدّاد لم يكن "بلديّا"، أفكار الحدّاد نمت ووجدت الحاضنه من داخل نفس الفضاء الذي أعلن منه الإصلاح، فأين أنتم من هذا؟ 


 ـ كلّ مشائخ الزيتونة خالفوا الطاهر الحدّاد في كتابه الشهير، وأفكار الطاهر الحداد خمدت لفترة ثم أعيد الاهتمام بها بعد فترة طويلة إلى أن جاء قرار تفعيل مجلّة الأحوال الشّخصيّة في 13 آب (أغسطس) 1956. ثم لا يجب التقليل من أهمية الأثر العملي الذي تركه التقرير على مستوى مراكمة الوعي النّسوي مثلما ذكرت، فموضوع الميراث صار اليوم موضوعا للنقاش العائلي بعد أن كان شبه محظور. كما أن موضوع المثلية كان موضوعا محرّما في النقاش العام، واليوم تغير الواقع وتم تكسير هذا الحاجز. وعندي ثقة كبيرة في أنّ مخرجات تقرير "لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة" سوف تعود إلى واجهة النقاش العام ولو بعد حين.


س ـ لكن السيد عبيد البريكي وفي إطار تقييمه لهزيمة اليسار المدويّة في انتخابات 2019، فقد أرجع ذلك إلى ما صرّح به من عدم القدرة على تجميع حتى 1000 شخص مثلا على موضوع المثليّة الجنسيّة!


 ـ تصريح السيد عبيد البريكي بأن هزيمة اليسار في انتخابات 2019 تعود إلى تبني حزبه أو ائتلافه الانتخابي الدفاع عن المثلية والمساواة في الميراث، هذا مجانب للصّواب وفيه مغالطة كبيرة، وعليه البحث عن الأسباب الحقيقية لهزيمته، فحزبه لم يكن له وجودا سياسيا في الساحة ووكالات سبر الآراء لم تعطه أي أمل في النجاح. ثم أنّ خير دليل على عدم صحّة تحليلات السيد عبيد البريكي، هو نجاح حزب "التيار الديمقراطي" في الحصول على قرابة العشرين مقعدا في البرلمان رغم التأييد الصّريح والجلي الذي عبّر عنه السيّد محمد عبّو وحزبه لمخرجات تقرير "لجنة الحريات الفرديّة والمساواة".

س ـ تقرير لجنة "الحريات الفرديّة والمساواة" جاء بإذن من الرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي سنة 2017، وقام بتمرير مقترح "المساواة في الميراث" إلى مجلس نواب الشعب دونا عن بقية مخرجات التقرير من قبيل "إلغاء تجريم المثلية الجنسيّة"، ثمّ قبر مقترح الرئيس نفسه داخل اللجان البرلمانيّة لعدم كفاية النواب المدافعين عنه، أليس هذا مؤشر على أنّ النسوية التونسية، والعربية بصفة عامّة، ما بعد الثورات العربيّة باتت أمام تحدِّ جديد، ألا وهو الديمقراطية. وربما لو التجأ الراحل بورقيبة إلى خيار الديمقراطيّة لما تمكّن من فرض مجلّة الأحوال الشخصيّة؟ 


 ـ هذا صحيح وهذا تحدي كبير لكل المدافعين عن النسوية، لكن وجب التذكير أوّلا أنّ بورقيبة استغل شرعيته النضالية والكفاحيّة لفرض مجلة الأحوال الشخصية في 13 آب (أغسطس) 1956 دون أن يلقى معارضة كبيرة، في حين أنّنا اليوم أمام تحدّ فعلي، فالجموع ثارت ضدّ الاستبداد ولم تثر على العقليات الأبوية المغروسة في المجتمع وهذا غير كاف. وعلى النسوية العربية وكلّ المدافعين عن مبادئ المساواة الفعلية بين المرأة والرّجل الاشتغال أفقيا، حتى لا تبقى دون سند شعبي أو عمق مجتمعي. فلا معنى لأن يبقى الانسان حاملا لأفكار جميلة وقيم إنسانية ولا تشتغل مع العمق المجتمعي ولم تؤثر عليه. من أخطاء اليسار التونسي أنّه ظلّ يشتغل منذ الجامعة بصفة فوقيّة، كنا ولا زلنا نطنب في حديثنا إلى الطلبة، عن الامبرياليتين الأمريكية والروسية وأهملنا المشاغل الحقيقيّة للمواطن سواء داخل أسرته أو مؤسسته. الحركة اليسارية التونسية أبطأت في الدّفاع عن الحريات الفرديّة وحقوق الإنسان.

س ـ هل تقصدين بالحريات الفرديّة مسألة الدفاع عن المثليّة؟


 ـ أعني كل القضايا التي تخص الحريات الفردية. حتى الحركة الحقوقية لم تكن مهتمة بموضوع الحرّيات الفرديّة قبل الثورة، كما أنّها لم تكن متحمّسة للدفاع عن المساواة في الميراث، التركيز كان بالأساس على الحريات السياسية.

س ـ لعل ذلك كان ظرفيّة موضوعيّة فرضتها الدكتاتورية؟


 ـ نعم، كان هذا هو مبررهم، في الوقت الذي كنّا نؤكّد في جمعية النساء الدّيمقراطيّات على أنّ الدّفاع عن الحريات السياسية لا يجب أن ينفصل عن الدفاع عن الحريات الفردية. ونقول بأنّ مشروع المجتمع ينطلق من الفرد. وللأسف فاليسار يؤمن بالطبقة لا بالفردية. وهذا ما عرقل مسيرة الدّفاع عن الحرّيات الفرديّة لعقود طويلة.

س ـ فضلا عمّا ذكرته، ألا توافقيني الرّأي في أنّ تركيز النشاط النّسوي على الشرائح الاجتماعية المترفة (البرجوازيّة) دونا عن شريحة العاملات والمشتغلات في الفلاحة هو سبب مباشر لاستمرار فئوية طروحاتكن؟


 ـ هذا معطى خاطئ للأسف الشديد، فرغم ضعف إمكانياتنا ورغم أن "جمعية النساء الديمقراطيات" هي حركة نخبوية من حيث مكوناتها، فقد اشتغلنا لعشرات السنين على آلاف الملفات التي تمس مشاغل كل النساء المهمّشات والفقيرات في أحياء دوار هيشر وحي التضامن وغيرهن كثيرات. الجمعية كانت نخبوية من حيث القانون الأساسي والخيارات ولكنها كانت مبادرة في تبنّي قضايا المرأة الريفية والنقل الريفي.

س ـ ذكر في الصفحة 11 من تقرير "لجنة الحريات الفرديّة والمساواة" حديث عن تحوّلات عميقة طرأت على البنية الاجتماعيّة وهو ما رأيتم فيه موجبا لتغيير التشريعات والقوانين، لماذا لم تتم الإشارة إلى نوع وأسماء وأعداد هذه الدراسات الاجتماعية، حتى تبعدوا عن التقرير شبهة غياب العلميّة وإسقاطه بقهرية الدّولة على المجتمع المحافظ؟


 ـ صحيح كان هناك نقاش في هذه المسألة، لأننا لم نجتهد كثيرا في دكر المراجع واكتفينا بالدراسة التي قام بها الباحث عماد المليتي، الذي تحدث عن التحولات التي تشهدها العائلة التونسيّة بانتقالها من العائلة الكبيرة إلى العائلة "الذريّة". لقد وقعت تحولات حقيقية في المجتمع وثمة مراجع أخرى لا أستذكرها الآن صراحة ولكن الدراسات الاجتماعيّة موجودة ولكن لم تكن لنا الإمكانية لتضمين كل المراجع في أقل من 9 أشهر هي عمر إنجاز التقرير، وكان عملنا منكبا أساسا على جرد القوانين المتعارضة مع الدستور. هنالك أيضا حركيّة كبيرة في المنطقة العربية، على وجه الخصوص في العربيّة السعوديّة التي كانت تمثل نقطة قاتمة في السابق، وثمّة إصلاحات في منظومة حقوق الإنسان ولا يمكن إيقاف قطار الحريات.

س ـ لكن في المحصّلة، فإنّ تقرير "لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة"، ورغم الحبر الكبير الذي أساله طوال ثلاث سنتين فقد انتهى إلى مصير عشرات البحوث الجامعيّة الأكاديمية المنسية بين طيّات الرفوف؟


 ـ نعم وهنا يكمن دور المجتمع المدني، كلفنا رئيس الجمهورية بإنجاز تقرير يتضمّن الإصلاحات اللازمة لضمان المساواة بين المواطنين والمواطنات ويضمن الحريات الفردية. فاشتغلنا بالأساس على التخلص من القوانين التي تتعارض مع الحريّات الفرديّة ومع المساواة، واقترحنا مشاريع قوانين جديدة، وبينا كيف نعدل ما هو موجود وكيف نحذف ما هو متنافي. انتقى منها الراحل الباجي قائد السبسي مقترح المساواة في الميراث وقام بإحالته على اللّجان البرلمانيّة، وللأسف لم يجد السند الكافي لفرضه كقانون، واليوم الدور الأساسي موكول للإعلام وللمجتمع المدني للدفاع عن هذه المشاريع. 

س ـ ألم يحن الوقت كي يعتمد اليسار والجمعيات النسويّة على تأطير المجتمع وإقناعه بطروحاتهم الثقافيّة بدل التعويل على السلطة كأداة قهرية؟ ثم ألم يحن الوقت لتنسيب السرديّة التي ترفع الراحل بورقيبة إلى مرتبة محرّر المرأة، في الوقت الذي أبان فيه الطاهر بوسمّة، محامي وسيلة بورقيبة، في كتابه "ذكريات من الزمن البورقيبي" أن مؤسس مجلة الأحوال الشخصيّة قد خالف إجراءاتها عند طلاقه لوسيلة، وفي الوقت الذي أبان فيه الباحث محمد ضيف الله، في مقال له في العدد الأوّل لمجلّة "روافد"، مجلة االمعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنيّة، عن انعقاد اجتماع نسائي في ديسمبر 1955 ضمّ حوالي 300 إمرأة، من بينهن بشيرة بن مراد، قد طالب بحق النساء في الترشح للبرلمان، ورغم ذلك لم يضم المجلس القومي التأسيسي أي إمرأة في تركيبته؟


 ـ بداية، بورقيبة لم يطلق وسيلة خارج الصيغ القانونية وقانونيّا يمكن أن يحصل الطلاق حتى في غياب الزوجة إذا ما تمّ بالمراوغة بحيل قانونيّة من قبيل إرسال استدعاء للقرين دون تمكينه من البلوغ، وبالتالي كانت حيلة قانونية أكثر منه طلاق خارج الصيغ القانونيّة.

س ـ على كل طاهر بوسمّة كان محاميا وقد أكّد في كتابه على أن وسيلة أعلمته بأن بورقيبة قد طلب منها العودة لحضن الزوجيّة وأكّد لها أن إجراءات الطلاق لم تكن قانونيّة !


 ـ على كل، بورقيبة يمكن أن يتناقض في بعض المواقف ويمكن أن يكون متأخرا في بعض المسائل وهذا أمر عادي، وبورقيبة لم يكن معصوما ولم ندّع ذلك، والشخص يمكن أن يكون في وضع نفساني يتعارض فيه مع مبادئه ومسلّماته، وحتى الأخطاء التي ارتكبها من قبيل رجوعه في التبني لابنته هاجر، لكن لولا إرادته ولولا جرأته لما تحقق ما تحقق للمرأة التونسية وحتى الزعماء العرب كانوا يغبطونه على قدرته على تقنين وتفعيل مجلة الأحوال الشخصيّة. وربما لولا تلك الخمائر لم نكن لنصل إلى مستوى الحدبث عن المساواة في الميراث في 2017. يجب الاعتراف لبورقيبة بمنجزاته كرئيس للدولة التونسية واستطاع فرض مجلّة الأحوال الشخصية في ظرفية صعبة جدّا.

س ـ في فترة الدكتاتورية، اتهمكم خصومكم باقتصار دوركن على مطالب إصلاحية فئوية دون الاهتمام بالدفاع عن قضايا أخرى كانت تهم شريحة نسائيّة كبيرة. بل أن بيانا لجمعية النساء الديمقراطيات صدر أوائل الألفية الماضية عدّ تبريرا لسياسة القمع التي كان ينتهجها النظام ضدّ المحجبات بحجة أن هذا اللباس طائفي، ما لحدّ الفاصل بين النّضال النسوي والتحيّز الاديولوجي؟


 ـ إذا كنت تقصد البيان المتعلق بالحجاب والصادر عن الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات فقد صدر سنة  2003 (أنا تقلدت منصب رئاسة الجمعية بين سنتي 1995 و2001)، وشخصيّا كنت رافضة لصدور ذلك البيان. من المهم أن نعرف أنه ثمة اختلافات كثيرة داخل الحركة النسوية وحتى داخل الجمعية نفسها، وذلك بحسب الفترات، والحجاب كان من القضايا الخلافية داخل الجمعية التي كانت تضمّ في تركيبتها نسويات ماركسيات وتروتيسكيات و لفيف من المستقلات، فهناك من يرون في الحجاب وسيلة للتحكم في جسم المرأة في حين يرونه البقية حرية الشخصية. لكن تبقى رسالتي واضحة هو أن النشاط النسوي يبقى مفتوحا لكلّ من يقف ضد الاستبداد وضد التمييز، فيمكن أن تكوني نسوية قومية عربية ولكن منتصرة للقضايا الانسانية، والأهم هو الالتزام بالمرجعية الكونية لحقوق الإنسان. 

 



س ـ النشاط النسوي والعمل الحزبي في تونس ما بعد الثورة وتجربة العمل البرلماني: حدود التوظيف وإمكانات التميّز. ما هي المسافة بين الشعارات والواقع؟.


 ـ تجربتي على رأس لجنة الحريات الفردية والمساواة جعلتني مقتنعة أكثر من أي وقت مضى بأهميّة العمل من داخل منظومة الحكم لا خارجها. فالعمل من داخل السلطة يكون أكثر نجاعة على مستوى تفعيل القوانين النسوية وتحقيق مكاسب لصالح منظومة الحريات الفرديّة. أقول هذا رغم الصعوبات والسلوكيات الذكورية والرجعية، التي قد تعترضك حتى من قبل من يدّعون الدفاع عن النسوية والأفكار التقدّمية (جلباب التقدّمية). تجربتي على رأس اللجنة مثلت لي أفضل التجارب، وقد وظفت العمل السياسي من أجل العمل النسوي.

س ـ من خلال تجربتك الممتدة على مدى أربع عقود كاملة من النضال النسوي والمدني، لتحقيق مكاسب فعليّة لصالح تيّارات النسوية في فضائنا العربي الاسلامي، أيهما الأنسب للنساء العربيّات: إعادة المصالحة مع الموروث الثقافي والمجتمعي الاسلامي، من أجل المواءمة بين منظومتي الحقوق الكونية والمنظومة الإسلامية أم القطع معها وتحطيمها وبناء واقع هووي جديد؟ 


 ـ احتراما للاختلاف داخل الحركة النّسويّة، أنا لا أرفض الاستفادة من هذا الموروث الثقافي الإسلامي ومن نقاطه المضيئة، والأهم من ذلك بحسب رأيي هو عدم ترك الفضاء شاغرا لمن لا يريدون التقدّم لمجتمعنا وربما عندهم مصالح مع أطراف متطرفة. لا يجب الركون للمتشدّدين والجهلة بالدّين الإسلامي، طالما نملك علماء ومفكرين قادرين على تقديم إجابات تقنع الرأي العام بمسؤولية. ومن حقّ الشعوب أن تكون لها مؤسسات تابعة للدّولة وتعمل على تطوير هذا الفكر وتحريره من الانغلاق ومن القلّة المتحكّمة في تفسيره وتوظيفه. هذا الفكر وتخرجه من هذا الانغلاق. وكأنه منظومة متعارضة مع أي تطوّر للمجتمع.