مقالات مختارة

ممارسات شرطة إسرائيل تقع في صميم سياسة الفصل العنصري

جوناثان كوك
1300x600
1300x600

شنت الشرطة حملات اعتقال جارفة بحق الأقلية الكبيرة من المواطنين الفلسطينيين بعد احتجاجات هزت البلاد أثناء الهجوم على غزة والذي استمر لأحد عشر يوماً في شهر أيار/ مايو. وتم توثيق قيام ضباط الشرطة بضرب المتظاهرين، وفي بعض الأوقات بتعذيبهم أثناء الاعتقال. كما أخفقت الشرطة في حماية الأقلية الفلسطينية من الهجمات التي كان يشنها بنية مبيتة متطرفون يهود ينتمون إلى التيار اليميني المتطرف.
 
ذلك كان حكم الإدانة الذي أعلنته منظمة العفو الدولية في تقريرها الذي صدر الأسبوع الماضي. تشير نتائج التحقيق الذي أجرته المنظمة إلى أن الشرطة الإسرائيلية تعتبر الأقلية الفلسطينية، التي تشكل خمس السكان، أعداء بدلاً من كونهم مواطنين لهم حق الاحتجاج.
 
يؤكد التقرير ما كان يقوله منذ وقت طويل زعماء الفلسطينيين في إسرائيل والمجموعات الحقوقية المحلية، وخلاصته أن أسلوب الشرطة في التعامل مع المجتمع الفلسطيني في إسرائيل عنصري وعنيف وأن هذا الأسلوب ما هو إلا انعكاس لنفس قيم التفوق العنصري اليهودي التي تشاهد في الممارسات الوحشية التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي في تعامله مع الفلسطينيين تحت الاحتلال.
 
المقارنات صارخة بين الطريقة التي تتعامل بها الشرطة مع الاحتجاجات التي ينظمها المواطنون الفلسطينيون ومع التصريحات المؤيدة التي تصدر عن زعمائهم من جهة، والتحريض الذي يمارسه زعماء اليهود الإسرائيليين ورود الأفعال العنيفة التي تصدر عن تيار اليمين اليهودي المتطرف من جهة أخرى.
 
ألقي القبض على ما يزيد عن 2150 شخصاً بعد أحداث العنف المجتمعي التي وقعت في شهر أيار/ مايو. ولكن طبقاً لتقارير أشارت إليها منظمة العفو الدولية فإن ما يزيد عن 90 بالمائة من أولئك الذين اعتقلوا كانوا فلسطينيين – إما مواطنون في إسرائيل أو من سكان القدس الشرقية المحتلة.
 
معظم هؤلاء يواجهون تهماً لا علاقة لها بالاعتداءات على الناس أو الممتلكات، وذلك على الرغم من الطريقة التي صورت بها تظاهراتهم من قبل الشرطة ووسائل الإعلام الإسرائيلية. بل وُجهت للمحتجين الفلسطينيين تهم مثل "إهانة أو مهاجمة ضابط شرطة أو المشاركة في تجمع غير قانوني" – وهي أمور ذات ارتباط بالأساليب القمعية التي تنتهجها الشرطة الإسرائيلية ضد الأقلية الفلسطينية.
 
حجرة التعذيب
 
أوردت منظمة العفو الدولية أمثلة متكررة على الهجمات التي تشنها الشرطة بلا سبب على المتظاهرين السلميين في مدن مثل الناصرة وحيفا بينما لا تتواطأ الشرطة مع الاستفزازات التي تصدر عن اليمين اليهودي المتطرف، مثل المسيرة التي نظمها أتباعه عبر الأحياء الفلسطينية داخل القدس الشرقية المحتلة في الخامس عشر من حزيران/ يونيو، والتي هتف خلالها المشاركون بشعارات مثل: "الموت للعرب"، "فلتحترق قريتكم".
 
كما وثقت منظمة العفو الدولية شهادات تفيد بأن الشرطة الإسرائيلية انهالت بالضرب على المعتقلين المقيدين داخل مركز شرطة الناصرة – وأقامت ما وصفته منظمة عدالة، وهي مؤسسة محلية تدافع عن الحقوق القانونية، بحجرة التعذيب.
 
بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن أحد المتظاهرين من حيفا تم تقييده في كرسي وحرم من النوم تسعة أيام واستخدمت بحقه أساليب تعذيب مألوفة لدى الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة.
 
في المقابل تم إشعار الشرطة الإسرائيلية برسائل واردة من مجموعات اليمين المتطرف اليهودي حول التفاصيل الدقيقة من حيث الزمان والمكان لمخططات تضمنت تكسير محلات العرب والاعتداء على المواطنين الفلسطينيين في الشوارع. ورغم ذلك إما أن الشرطة تجاهلت التحذيرات أو تباطأت في اتخاذ الإجراءات المطلوبة. كما خلص تحقيق أجرته صحيفة هآريتز إلى أن الشرطة تقاعست فيما بعد عن استخدام المقاطع المصورة للتعرف على اليهود الذين قاموا بالاعتداءات، وبالتالي فلم تلق القبض إلا على عدد قليل جداً منهم.
 
تعكس هذه الصورة للشرطة إذ تغض الطرف عن العنف اليهودي المخطط له مشاهد وقعت أثناء الاحتجاجات. فقد تبين من المقاطع المصورة أن ضباط الشرطة سمحوا للرعاع من اليهود المسلحين – والذين جيء بالعديد منهم بالحافلات من المستوطنات – بالتجول بحرية داخل الأحياء الفلسطينية أثناء حظر التجول في مدينة اللد. بل ظهر من بعض المقاطع المصورة أن الشرطة والعناصر اليهودية المتطرفة كانوا يقومون بما بدا وكأنه "عمليات" مشتركة حيث كانت الشرطة تطلق قنابل الصوت على الفلسطينيين بينما كان المتطرفون اليهود يرجمونهم بالحجارة.
 
في هذه الأثناء لم يتعرض للمساءلة أي من السياسيين اليهود الذين حرضوا ضد الأقلية الفلسطينية، من رئيس إسرائيل السابق روفين ريفلين إلى عمدة اللد يائير رفيفو إلى عضو الكنيست اليميني المتطرف إيتامار بن غفير.

الاتهام بالقيام بأعمال إرهابية
 
بدلاً من ذلك، شنت الشرطة الإسرائيلية عملية استفزازية لم يكن لها أي داع على الإطلاق تمثلت في هجوم نفذته القوات الخاصة على منزل أحد زعماء المجتمع الفلسطيني، الشيخ كمال الخطيب، لإلقاء القبض عليه، حيث وجهت لنائب رئيس الحركة الإسلامية الشمالية تهمة دعم الإرهاب بعد أن أعرب عن اعتزازه بما وصفه تضامن الأقلية مع الشعب في غزة والقدس الشرقية المحتلة.
 
وفي الأسبوع الماضي، فيما يبدو أنه حدث جاء متأخراً فلم يتضمنه تقرير منظمة العفو الدولية، انطلقت الأساليب العنصرية للشرطة الإسرائيلية في اتجاهات جديدة.
 
وجهت لأعداد صغيرة من المواطنين الفلسطينيين الذين يشتبه بأنهم هاجموا يهوداً تهمة القيام بأعمال إرهابية، رغم عدم وجود أي دليل مادي أو من الحمض الأميني يربطهم بتلك الجريمة. في كثير من هذه القضايا تم توجيه التهمة للمتهمين بناء على اعترافات انتزعت منهم بعد جولات طويلة من التحقيق على أيدي الشرطة السرية الإسرائيلية، الشين بيت.
 
حينما يتعلق الأمر بالمواطنين الفلسطينيين، يعتبر النظام القانوني الإسرائيلي أي عنف مجتمعي عملاً إرهابياً، أما إذا تعلق الأمر باليهود الإسرائيليين فإن الأمر يعتبر مسألة عادية ذات علاقة بالقانون والنظام، هذا ما لم يتم إغفاله تماماً.
 
يكرس هذا التمييز قرار إخضاع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل للاعتقال الإداري، بحيث يتم حبسهم بدون توجيه تهم ولا يسمح للمحامين بالاطلاع على ما يفترض أنه الدليل الموجه ضد موكليهم. مثل هذه الإجراءات شديدة القسوة – ومنها المرسوم الذي أقره الأسبوع الماضي وزير الدفاع بيني غانتز – كانت في العادة من الممارسات التي يخص بها الفلسطينيون تحت الاحتلال وليس الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل.
 
تصفية حسابات
 
أشارت منظمة العفو الدولية في تقريرها إلى تصريحات علنية صادرة عن مسؤولين في الشرطة الإسرائيلية تفيد بأن القمع الشديد الذي يمارس حالياً إنما يتعلق في واقع الأمر بتصفية حسابات. وهذا صحيح جزئياً.
 
قبل ما يقرب من عقدين من الزمن، خلص تحقيق قضائي رسمي إلى أن الشرطة الإسرائيلية تعامل المواطنين الفلسطينيين كما لو كانوا أعداءً. لم يتغير شيء منذ ذلك الوقت. فالشرطة تعتبر أن أولى مهماتها تتمثل في حماية الامتيازات التي تتمتع بها الأغلبية اليهودية من خلال إبقاء الأقلية الفلسطينية مسحوقة وطيعة، كمجتمع تابع داخل دولة تعتبر نفسها دولة يهودية.
 
جاء تفجر الاحتجاجات في أيار/ مايو، والذي أخذ الشرطة على حين غرة، ليشير ضمناً إلى أن الشرطة فشلت فشلاً ذريعاً في مهمتها تلك. فسرت الشرطة المظاهرات على أنها إهانة على الملأ، الأمر الذي تطلب وبشكل عاجل إعادة فرض الردع.
 
وكانت تلك هي نفس الزاوية التي من خلالها شوهدت الاحتجاجات من قبل السياسيين الإسرائيليين، بما في ذلك وزير الشرطة حينذاك عمير أوهانا وكذلك اليمين اليهودي المتطرف، والذين قالوا حينها إن الشرطة يتم تكبيل أياديها بسبب بعض الاعتبارات القانونية، وأن من مهمة المواطنين اليهود مساندة الشرطة من خلال القيام بأنفسهم بتطبيق القانون.
 
إلا أن "تصفية الحسابات" مع الأقلية الفلسطينية تتعلق بمسألة منفصلة. فالمراقبون الأجانب، مثل منظمة العفو الدولية، ينزعون إلى ملاحظة الممارسات العنصرية للشرطة الإسرائيلية فقط عندما يستخدم العنف المباشر ضد المواطنين الفلسطينيين، مع أن معاناة الأقلية الفلسطينية من التمييز الذي تمارسه الشرطة ضدهم أعم من ذلك بكثير.
 
لم تلبث الأقلية الفلسطينية تخرج إلى الشوارع بأعداد كبيرة للاحتجاج ليس فقط ضد الإجراءات العنيفة التي تمارسها الشرطة ضدهم وإنما أيضاً ضد الغياب شبه الكامل للشرطة حينما يتعلق الأمر بمكافحة تفشي الجريمة في أوساط المجتمعات العربية.
 
يتناقض القمع الشديد الذي مارسته الشرطة خلال الأسابيع الأخيرة بشكل صارخ مع تقاعسها عن التصدي لموجة الإجرام التي تجتاح المجتمعات الفلسطينية، والتي تتسبب كل عام بموت عدد كبير من الضحايا. استغل هذا الفراغ الأمني داخل البلدات الفلسطينية من قبل عصابات إجرامية فلسطينية ويهودية على قدم المساواة، إذ يعلمون بأن أياديهم مطلقة وأن بإمكانهم المضي قدماً في جرائمهم طالما أن عنفهم موجه ضد العرب.
 
وحتى أثناء الإغلاق الذي تسببت به جائحة كوفيد 19، استمر زعماء المجتمع الفلسطيني في ممارسة الضغط، وقاموا بقيادة قوافل من السيارات التي شقت طرق إسرائيل المزدحمة لجذب الانتباه والتحذير من عواقب الأولويات العنصرية للشرطة في إسرائيل.
 
وهذا تسبب في نوع مختلف من الإهانة للشرطة. فقد تعرضت الشرطة للنقد والإدانة الشديدة بسبب إخفاقها في مكافحة الجريمة داخل المجتمعات الفلسطينية، وتفاقهم الأمر حتى باتت هذه القضية واحدة من أولى أولويات الأحزاب الفلسطينية خلال السلسلة المتعاقبة من الانتخابات التي جرت مؤخراً.
 
والآن، سنحت الفرصة أمام الشرطة للانتقام، فكان لسان حالها خلال الاعتقالات الجماعية الأخيرة يقول: "تريدون متابعة أكثر من قبل الشرطة؟ هاكم ما طلبتم، ولنرى كم سيعجبكم ذلك."
 
التفوق العنصري اليهودي
 
في واقع الأمر، كلا النوعين من التعامل الشرطي مع المواطنين الفلسطينيين – العنف الممارس ضد الاحتجاجات والقعود عن مكافحة الجريمة – تعود جذورهما إلى نفس الأمر، إنها الأيديولوجية القبيحة التي ترى أن اليهودي صاحب تفوق عنصري.
 
وهو نفس التفوق العنصري الذي تم تسليط الضوء عليه في تقرير صدر في وقت مبكر من هذا العام عن منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية بيتسيلم، والتي عبرت صراحة عن قناعتها بأن إسرائيل دولة فصل عنصري (أبارتيد)، تعامل الفلسطينيين بدونية، سواء من كان منهم يعيش داخل الأراضي المحتلة أو داخل إسرائيل، بينما تعامل اليهود باعتبارهم الأسياد، سواء كانوا يعيشون داخل إسرائيل أو داخل المستوطنات غير القانونية.
 
يعتبر تقرير منظمة العفو الدولية الصورة الأخيرة الملتقطة لمجتمع كل ما فيه يتبع منطق الفصل العنصري، بما في ذلك الشرطة. لا ينبغي أن يستغرب أحد ذلك لأن الفصل العنصري، من حيث التعريف، سلوك ممنهج.
 
لم يأبه معظم الإسرائيليين اليهود، سواء كانوا ينتسبون إلى اليسار أو إلى اليمين، بموجة الإجرام التي ما لبثت لسنين تكتسح المجتمعات الفلسطينية المجاورة لهم، وذلك على الرغم من الاحتجاجات المستمرة من قبل الأقلية الفلسطينية.
 
والآن – ومن خلال صمتهم – أثبت معظم الإسرائيليين اليهود العاديين وسياسيوهم بأنهم يؤيدون، أو على الأقل لا يشغل بالهم، القمع الحالي الذي تمارسه الشرطة ضد الأقلية الفلسطينية. لا يبدو أن الأسباب الأعمق لاحتجاجات مايو / أيار، والرد العنيف عليها من قبل اليمين المتطرف، تثير أدنى اهتمام لدى الإسرائيليين اليهود بإعادة النظر والتدبر.
 
كما أن الجمهور اليهودي الإسرائيلي لا يبدو مهتماً بحقيقة أن رعاع اليمين اليهودي المتطرف يهتفون بشعارات مثل "الموت للعرب" في شوارعهم، وأن المقاطع المصورة تثبت تعاون الشرطة مع هؤلاء الرعاع أو أن الشرطة تقوم ولأسابيع بتنفيذ اعتقالات جماعية بحق المواطنين الفلسطينيين بينما لا تعبأ بتعقب اليهود الذين ظهروا في المقاطع المصورة وهم يعتدون على الفلسطينيين.
 
احتلال عدواني
 
والحقيقة هي أن الشرطة الإسرائيلية تفلت من المساءلة والمحاسبة على ممارساتها العنصرية والعنيفة نظراً لأن المجتمع الإسرائيلي اليهودي بشكل عام يقرها على ذلك. تعتبر الشرطة نفسها حامية التفوق العنصري اليهودي والذي يرى فيه كثير من المواطنين اليهود العاديين حقاً مكتسباً بالولادة.
 
كانت الأقلية الفلسطينية ترجو أن تكون قد فتحت مجالاً للحوار مع اليهود الإسرائيليين حول مسؤوليات الشرطة ومهامها في دولة تدعي أنها ديمقراطية وكذلك حول حق 1.8 مليون نسمة من مواطني إسرائيل من الفلسطينيين في الأمن الشخصي.
 
شهدت البلاد احتفاليات كثيرة الشهر الماضي بعد أن أصبحت القائمة العربية الموحدة بزعامة منصور عباس أول حزب يمثل المواطنين الفلسطينيين ينضم إلى الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، الأمر الذي ساهم في إخراج رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو من السلطة. ومثله في ذلك مثل الأحزاب الفلسطينية الأخرى، وضع عباس تغيير الثقافة العنصرية للشرطة في إسرائيل على رأس أولويات أجندته.
 
إلا أن أي مؤشرات على إحراز تقدم في هذا المجال ما لبثت أن خبت بسبب إعادة التأكيد على التفوق العنصري اليهودي من قبل الشرطة ومن قبل حلفائها في المعسكر اليهودي اليميني المتطرف وبفعل التواطؤ الصامت الذي يبديه المجتمع الإسرائيلي اليهودي بمجمله.
 
كانت لدى إسرائيل فرصة سانحة للتصدي لإجراءاتها الشرطية العنصرية، إلا أن ذلك كان سيتطلب منها القيام بمهمة صعبة تتمثل في إعادة النظر في كثير من سياسات الفصل العنصري التي تشكل الأساس الذي تنبثق منه تلك الإجراءات. بدلاً من ذلك، يبدو أن معظم اليهود الإسرائيليين يسرهم إعادة التأكيد على الأمر الواقع – والمتمثل في اضطهاد جميع الفلسطينيين القابعين تحت الحكم اليهودي، سواء كانوا ضحايا للاحتلال المعادي أو مواطنين من الدرجة الثالثة داخل الدولة اليهودية.
 
 
(ميدل إيست آي) 

التعليقات (1)
لا حوار مع عصابة الخزر
السبت، 03-07-2021 02:01 م
الشعب الفلسطيني بين مطرقة الإحتلال الصهيوني و بين إحتلال السلطة الفلسطينية العميلة (ومن لم يُذدْ عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يُظْلمِ)