مقالات مختارة

لماذا تنضم إسرائيل إلى الناتو العربي بقيادة البنتاغون؟

جوناثان كوك
1300x600
1300x600

بدون أي من المظاهر الاحتفالية التي تصاحب في العادة مثل هذه القرارات المصيرية، أعلن البنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية) الشهر الماضي عملية إعادة تنظيم كبرى لجلب إسرائيل – للمرة الأولى – إلى داخل قيادتها العسكرية في الشرق الأوسط إلى جانب الدول العربية.
 
حتى الآن، كانت إسرائيل تنتمي إلى القيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا أو ما يعرف باسم يوكوم بدلا من القيادة الخاصة بالشرق الأوسط والتي تعرف باسم القيادة الوسطى أو سينتكوم. وبذلك يكون القرار قد تخلص من الحكمة التقليدية التي كانت ترى أن ضم إسرائيل إلى سينتكوم من شأنه أن يزيد التوتر بين الولايات المتحدة والدول العربية ويجعل هذه الأخيرة أكثر ترددا في إشراك البنتاغون بما لديها من معلومات استخباراتية أو في التعاون معه.
 
وكانت مشاعر القلق تلك ملموسة بشكل خاص عندما كانت لدى الولايات المتحدة أعداد ضخمة من الجنود المنتشرين في العرق وأفغانستان، حينها عبر دافيد باترياس في 2010 عن الخوف من أن القوت الأمريكية المتواجدة في المنطقة قد تدفع ثمن التعاون العسكري المكشوف أكثر من اللازم مع إسرائيل.
 
إلا أن هدف إسرائيل منذ زمن طويل كان إجبار البنتاغون على إعادة تركيب سينتكوم، وقد زادت الضغوط في هذا الاتجاه من قبل جماعات اللوبي المؤيدة لإسرائيل في واشنطن خلال الشهور الأخيرة من إدارة ترامب. وجاء القرار ليبدو كما لو كان هدية وداع لإسرائيل من الرئيس دونالد ترامب بينما كان يتهيأ للرحيل.
 
التطبيع العسكري
 
لم يتم بعد بشكل رسمي انتقال إسرائيل إلى سينتكوم، إلا أن التحرك تكرس الأسبوع الماضي بفضل أول زيارة يقوم بها إلى إسرائيل منذ دخول جو بايدن إلى البيت الأبيض الجنرال كينيث ماكنزي، الرئيس الحالي لسينتكوم. وقد قام ماكنزي برفقة رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوهافي بغرس شجرة احتفاء بالعطلة اليهودية المعروفة باسم تو بيشفات، ولكن أيضا في إشارة رمزية إلى بدء عهد جديد من الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين.
 
ويوم الجمعة، بعد لقائه مع الجنرال الأمريكي، أصدر وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتز بيانا أشاد فيه بعملية إعادة التنظيم التي يقوم بها البنتاغون، وقال إن من شأن ذلك أن "يوفر لإسرائيل الفرصة لتعميق التعاون مع الشركاء الإقليميين الجدد وتوسيع الآفاق التشغيلية."
 
في أحسن الأحوال، يعتبر قرار جلب إسرائيل إلى داخل القيادة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط – من وجهة نظر واشنطن – ذروة الجهود التي تبذل للدفع بالدول العربية باتجاه "التطبيع" العلني مع إسرائيل.
 
يمكن الآن إضافة التطبيع العسكري إلى التطبيع السياسي والدبلوماسي والاقتصادي الذي بدأ رسميا في سبتمبر / أيلول الماضي عندما وقعت دولتان خليجيتان، هما الإمارات العربية المتحدة والبحرين، ما يسمى باتفاقيات أبراهام مع إسرائيل، ثم ما لبث كل من المغرب والسودان أن أعلنا عن توقيع صفقات سلام خاصة بهما مع إسرائيل، مع احتمال أن تتبعهما دول عربية أخرى بعد أن تستقر الأوضاع مع إدارة بايدن الجديدة.
 
منذ التوقع على اتفاقيات أبراهام، لم تفتأ الإمارات العربية المتحدة تؤسس لروابط تجارية قوية مع إسرائيل وتساعد في تأسيس صندوق أبراهام الذي صمم من أجل تمويل البنية التحتية للاحتلال الذي تستخدمه إسرائيل لحرمان الفلسطينيين من إقامة دولتهم. وعندما انطلقت الرحلات الجوية إلى دبي في نوفمبر / تشرين الثاني، تدفق السياح الإسرائيليون على الإمارات العربية المتحدة للاستفادة من العلاقات الودية الجديدة والهرب من قيود الإغلاق التي كانت تفرض عليهم في بلدهم.
 
في واقع الأمر، انتشرت تقارير على نطاق واسع تفيد بأن مثل تلك الزيارات غدت واحدة من السبل الرئيسية التي استوردت من خلالها إسرائيل سلالات جديدة من كوفيد-19. حتى أن إسرائيل قامت الأسبوع الماضي بإغلاق حدودها تماما – فيما عدا في وجه الرحلة التي جاء على متنها الجنرال ماكنزي – وذلك للحد من انتشار الفيروس.
 
ثقة متنامية

 
في الظاهر تبدو مناقضة للحدس رغبة إسرائيل في الانتقال إلى سينتكوم – والذي هو أشبه بحلف نيتو خاص بالشرق الأوسط ويشمل عددا من الدول العربية التي ماتزال علاقات إسرائيل بها علاقات عداء. ولكن في واقع الأمر سوف تجني إسرائيل من ذلك مكاسب استراتيجية كبيرة.
 
إذ أن ذلك سيؤدي إلى أن تصبح المصالح الأمنية الإسرائيلية في المنقطة أكثر انسجاما واتفاقا مع المصالح الأمنية الإسرائيلية، وسيكون ذلك على حساب جيرانها العرب. ولسوف يعزز من جهود إسرائيل المستمرة لسحق التطلعات الوطنية للفلسطينيين، بتعاون صريح أو ضمني من الدول العربية. كما سيؤدي ذلك إلى مفاقمة التوترات السياسية داخل كتلة الدول العربية، وسيزيد من ضعفها. وسوف يساعد في مراكمة الضغوط على الدول العربية الرافضة حتى تنضم إلى الإجماع الأوسع في مواجهة خصم إسرائيلي الأبرز في الإقليم، ألا وهو إيران.
 
إن من الأهمية بمكان أن مشاعر القلق التي طالما راودت واشنطن خشية أن يؤدي وجود إسرائيل ضمن سينتكوم إلى الإضرار بعلاقاتها مع الدول العربية قد تبخرت تماما فيما يبدو.
 
فقد كانت الولايات المتحدة ذات يوم حريصة على النأي بنفسها عن إسرائيل كلما غاصت قدما البنتاغون أكثر فأكثر في مستنقع المنطقة، سواء كان ذلك أثناء الحرب الأمريكية في الخليج عام 1990 أو غزو واحتلال العراق في عام 2003، أما اليوم فلم تعد مثل هذه الحسابات فيما يبدو ذات قيمة.
 
يثبت هذا التحرك ما بات لدى الولايات المتحدة من ثقة متنامية بأن الدول العربية – على الأقل تلك التي تعني واشنطن – لم يعد يزعجها أن تشاهد وهي تتعاون عسكريا مع إسرائيل، ناهيك عن الدخول معها في علاقات سياسية واقتصادية. وهذا يؤكد على حقيقة أن تلك الدول الخليجية الثرية بالنفط، جنبا إلى جنب مع إسرائيل، غدت الآن العناصر الأهم من وراء رسم السياسة الأمريكية الخارجية في المنطقة، كما يشير إلى أن أهم هذه الدول على الإطلاق، ألا وهي المملكة العربية السعودية، تنتظر اللحظة المناسبة لتوقيع اتفاق خاص بها مع إسرائيل.
 
الخروج من الظل
 
سوف تستمر إسرائيل، كما هو متوقع، في إجراء تدريبات عسكرية في أوروبا مع الدول الأعضاء في الناتو، ولكنها سوف تتمكن في القريب من بناء علاقات مباشرة شبيهة مع الجيوش العربية، وخاصة تلك التي ما لبثت تتوسع وتزداد حرفية في الخليج مستفيدة من الثروة النفطية.
 
من المحتمل أن يبدأ الضباط الإسرائيليون قريبا بالخروج من الظل للقيام علانية بتدريب ونصح الجيوش الإماراتية والسعودية كجزء من الأدوار المشتركة التي يقومون بها ضمن سينتكوم، وخاصة أن خبرات إسرائيل، التي اكتسبتها على مدى عقود من خلال مراقبة الفلسطينيين والسيطرة عليهم وقمعهم، ستكون مطلوبة بشدة من قبل دول الخليج التي تخشى بروز معارضة داخلية أو انطلاق انتفاضات شعبية.
 
وكان العالم الإسرائيلي جيف هالبر قد لاحظ بأن إسرائيل أثبتت مدى كفاءتها في ترجمة ارتباطاتها العسكرية والأمنية مع الجيوش والقوات الأمنية حول العالم إلى دعم دبلوماسي داخل الكيانات الدولية.
 
لا يتوقع أن يشذ عن ذلك الشرق الأوسط، فبمجرد أن تصبح إسرائيل مسمار الدولاب بالنسبة لمزيد من الجيوش المحترفة في المنطقة لسوف يتوقع من تلك الدول التي تعتمد على مساعدتها أن تتخلى أكثر بأكثر عن التزامها بالقضية الفلسطينية.
 
سياسة فرق تسد في الإقليم
 
والمكسب الآخر الذي سوف تحققه إسرائيل هو تعقيد علاقات واشنطن بالمنطقة العربية.
 
لا يقتصر الأمر على قيام سينتكوم بتشغيل عدد من القواعد الكبيرة في الخليج، وخاصة في البحرين وقطر، ولكنه أيضا يقود "الحرب المعلنة على الإرهاب" بعمليات تنفذ سرا وعلانية في العديد من الدول العربية بما في ذلك العراق وسوريا.
 
سوف يغدو أصعب على الولايات المتحدة تخليص نفسها من العمليات الحربية التي تشنها إسرائيل علنا، بما في ذلك الضربات الجوية، داخل البلدين، والتي يمثل تنفيذها انتهاكا سافرا للقانون الدولي. ولكم شهدت السنوات الأخيرة تصعيدا في التوتر بين الولايات المتحدة وبغداد بسبب الضربات الجوية الإسرائيلية في العراق، ورافق ذلك تهديدات بتقييد حرية الولايات المتحدة في دخول المجال الجوي العراقي.
 
بوجود إسرائيل داخل سينتكوم فمن المحتمل أن الولايات المتحدة وحلفاءها المقربين من الدول العربية سوف يصبحون ضالعين بشكل مباشر في عمليات إسرائيل العسكرية الكبيرة وخاصة ضد الفلسطينيين، مثل تلك الحروب التي يتكرر شنها على قطاع غزة.
 
سوف يشكل ذلك تحديا كبيرا للمؤسسات التعاونية في المنطقة مثل جامعة الدول العربية. بل إن من المحتم أن يؤدي ذلك إلى ضرب إسفين عميق بين الدول العربية الموالية لواشنطن وتلك التي تتهم بأنها تقف في الجانب الخطأ من "الحرب على الإرهاب".
 
ولربما كانت النتيجة التي سوف تتمخض عن ذلك سياسة تنميها إسرائيل في المنطقة اعتمادا على مبدأ فرق تسد، وتعتبر صورة طبق الأصل لما ظلت إسرائيل على مدى عقود تمارسه من بث للفرقة وإثارة للنزاع في صفوف القيادة الفلسطينية، الأمر الذي تجلى بوضوح في الصدع الحاصل بين فتح وحماس.
 
الجبهة المعادية لإيران

 
وستكون أكبر مكافأة تحصل عليها إسرائيل هي إبرام تحالف رسمي مع الدول العربية ضد إيران وتوجيه الدول التي ماتزال في حيرة من أمرها للدخول في المدار الإسرائيلي.
 
يبدو أن تلك هي الغاية من المصالحة الأخيرة التي تم الترويج لها على نطاق واسع بين الإمارات العربية المتحدة والسعوديين من جهة وقطر من جهة أخرى، والتي تم التوصل إليها في أواخر أيام إدارة ترامب، علما بأن واحدا من الأسباب الرئيسية لذلك الحصار الممتد على قطر كان يرتبط بإصرارها على الاحتفاظ بروابط سياسية واقتصادية مع طهران.
 
وهدف إسرائيل هو إجبار إدارة بايدن على الاستمرار في تبني نفس السياسية العدائية التي كان يتبناها ترامب ضد إيران، وهي السياسة التي اشتملت على فرض عقوبات مشددة وتنفيذ عمليات اغتيال وتمزيق الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما مع طهران في عام 2015. وكان الاتفاق قد منح المفتشين فرصة للدخول إلى إيران لضمان أنها لا تعمل على تطوير القنبلة النووية التي لو أنجزت فلسوف تذهب بالنفوذ الاستراتيجي الذي تكتسبه إسرائيل من امتلاكها لترسانة من الأسلحة النووية.
 
سوف تتمكن إسرائيل داخل سينتكوم من العمل بشكل أوثق مع الحلفاء الخليجيين لتقويض أي جهود تبذل داخل واشنطن لإحياء الاتفاق النووي مع طهران، وهي النقطة التي فُهمت في الأسبوع الماضي عندما شارك وزيران خليجيان في مؤتمر أمني نظمته عبر الإنترنيت جامعة تل أبيب.
 
أثناء المؤتمر، تحدث رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي كوتشافي موجها على الملأ توبيخا غير مسبوق للرئيس بايدن بسبب تصريحات أدلى بها مؤخرا متمنيا فيها إعادة إحياء صفقة النووي مع إيران. وصف كوتشافي الاتفاق بأنه "سيء وخطأ من الناحية الاستراتيجية والعملياتية" زاعما بأن إيران سوف تطلق صواريخ نووية على إسرائيل بمجرد الحصول عليها، وأعلن أن خيار أن تشن إسرائيل منفردة هجوما على إيران ينبغي أن يكون على الطاولة.
 
لاحظ وزير خارجية البحرين عبد اللطيف الزياني أن إسرائيل ودول الخليج ستكون لديها فرصة أفضل لمنع أي توجه أمريكي للتصالح مع إيران لو أنهم تكلموا "بصوت موحد". وأضاف: "من شأن الموقف الإقليمي المشترك حول هذه القضايا أن يكون له نفوذ أكبر على الولايات المتحدة."
 
 
ونفس وجهة النظر عكسها أنور قرقاش وزير الشؤون الخارجية في الإمارات العربية المتحدة.
 
بعبع الشرق الأوسط
 

في مؤشر على مدى ما تمارسه إدارة بايدن من مقاربة حذرة خشية أن تجد نفسها في مواجهة تحالف شرق أوسطي واسع ضد إيران، قال مرشح الرئيس الجديد لمنصب وزير الخارجية، أنطوني بلينكين، الشهر الماضي إنه من الأهمية بمكان أن يتم التشاور مع إسرائيل ودول الخليج قبل الدخول في الصفقة من جديد.
 
سعيا منه لتعزيز فرصه الانتخابية وتحويل الأنظار بعيدا عن محاكمته المنتظرة بتهم الفساد، فإن لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كل حافز للعمل على توسيع تلك الهوة.
 
بل إن ضمان أن تبقى إيران هي بعبع الشرق الأوسط – والتي يتركز ضدها عداء الغرب – هو المصلحة المشتركة لإسرائيل التي لا تنوي إنهاء عقود من إعاقتها قيام الدولة الفلسطينية وكذلك لدول الخليج التي لا تنوي إنهاء انتهاكاتها لحقوق الإنسان ولا التوقف عن بثها للشقاق الإسلامي.
 
قبل مغادرته منصبه الشهر الماضي قام مايك بومبيو، وزير خارجة ترامب، بزرع لغم خدمة للمصالح الإسرائيلية والسعودية من خلال الادعاء بأن عددا من زعماء القاعدة قد وجدوا ملاذا لهم داخل إيران. وكان ذلك بمثابة صدى لما زعمته إدارة بوش من قبل من وجود ارتباط بين القاعدة وصدام حسين، وهو أمر عار تماما عن الصحة، وذلك كذريعة بالإضافة إلى الزعم بامتلاكه أسلحة دمار شامل لا وجود لها لغزو واحتلال العراق في عام 2003.
 
ومع وصول إسرائيل إلى داخل سينتكوم، سوف يتنامى الضغط السياسي باتجاه تكرار تلك السقطة الكارثية – ومعها سوف تزداد فرص إشعال حرب جديدة في الشرق الأوسط.
 

 

(ميدل إيست آي)
 

0
التعليقات (0)