مقالات مختارة

هل انقضت الأزمة الدبلوماسية الصامتة بين باريس والرباط؟

بلال التليدي
المؤشرات المقابلة تعكس صورة استمرار التوتر أو على الأقل تكشف الممانعة التي يبديها كل طرف بين يدي هذه المباحثات- جيتي
المؤشرات المقابلة تعكس صورة استمرار التوتر أو على الأقل تكشف الممانعة التي يبديها كل طرف بين يدي هذه المباحثات- جيتي
الأسبوع الماضي، عرفت العلاقات الدبلوماسية المغربية الفرنسية حدثا دالا أنهى من حيث الظاهر شهورا من الجمود والتوتر المنخفض السقف بين الرباط وباريس، فقد زارت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا المغرب، وكان لها محادثات مع نظيرها المغربي ناصر بوريطة، وتم التصريح من جهة المسؤولة الفرنسية بإنهاء أزمة التأشيرات دون الحديث عن أي أجندة أخرى، تتعلق بمسار زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون المرتقبة للمغرب.

الواقع أن المؤشرات الظاهرة في هذه الزيارة تحمل دلالات متناقضة، فهي من حيث المبدأ تؤشر على حلحلة للعلاقات المغربية الفرنسية، وإيذان بالخروج من مربع الصمت والتوتر، إلى فضاء الحوار والمباحثة في الأمور الخلافية. يعزز هذا المؤشر الإشارات التي حصلت بعض الزيارة، وربما قبلها، فالرئيس إيمانويل ماكرون، حرص خلال مباراة نصف نهائي كأس العالم التي جمعت المنتخبين الفرنسي والمغربي بالذهاب إلى مستودع ملابس الفريق المغربي وتهنئته على المستوى المميز الذي ظهر به في هذه الدورة، وكشف للاعبين عن قرب زيارته للمغرب. من جهته، رد الملك محمد السادس التحية بأحسن منها، فهنأ الفريق الفرنسي على فوزه ووصوله إلى نهاية كأس العالم، ثم قام مرة أخرى بتهنئته بعد خسارته في مباراة النهاية مع الفريق الأرجنتيني.

في الواقع، قد تبدو هذه المؤشرات بعيدة عن حقل السياسة، لكن إذا ما قوبلت بشهور من القطيعة في الاتصال والتهنئة والمعايدة بين الطرفين، فإنها تعني في الأقصى حصول حلحلة في العلاقات، أو ربما التعبير عن حسن نوايا بين البلدين، توضع بين مقدمات المباحثات التي تجري بين المغرب وفرنسا تمهيدا لزيارة مرتقبة للرئيس الفرنسي إلى الرباط.

المؤشرات المقابلة، تعكس صورة استمرار التوتر، أو على الأقل، تكشف الممانعة التي يبديها كل طرف بين يدي هذه المباحثات، فوزير الخارجية المغربية رفض الحديث باللغة الفرنسية، وتحدث باللغة العربية، واضطرت وزيرة الخارجية، للتعبير بملامح وجهها عن نوع من الامتعاض عن هذا السلوك، إذ لم تعتد من مسؤول مغربي بخلفية فرنكفونية ثقيلة، أن يضطرها إلى تركيب السماعة لتتبع الترجمة الفورية.

وزيرة الخارجية الفرنسية، كانت قبل ذلك، عبرت عن موقف بلدها من قضية الصحراء، بشكل لم يصل إلى مستوى تطلع المسؤول المغربي، فقد حرصت أن تلعب على الحبلين: حبل تثيبت موقفها الداعم لمسلسل التسوية ودعم الأطراف للتوصل إلى حل سياسي عادل للنزاع، وحبل دعم المقترح المغربي للحكم الذاتي، وجعلت من عبارة: «يمكن للمغرب أن يعوّل على فرنسا في دعم قضية الصحراء» الوعد الملغوم للتغطية على غموض الموقف.

وزيرة الخارجية الفرنسية، في الواقع، لم تكن تجيب رجال الإعلام بخصوص الصحراء، ولكنها كانت ترد على خطاب ملكي، قرر أن تكون الصحراء نظارة المغرب المحددة لسياسته الخارجية، ودعا القوى الدولية إلى الخروج من مربع الازدواجية والتردد في الموقف من الصحراء، فظهر من خطاب المسؤولة الفرنسية كما لو أن خطاب الملك لا يستهدف بلادها، وأن موقف باريس لا يوجد ضمن خانة الازدواجية التي قرر المغرب أن يحسم معها.

والواقع، أن الطريقة التي قرأ بها وزير الخارجية المغربية ناصر بوريطة مواقف مسؤولة الخارجية تبين تأرجح العلاقات المغربية الفرنسية بين استمرار التوتر، وعدم التوصل بعد إلى نقطة الانطلاق لحلحلة العلاقات المغربية الفرنسية، فقد اختصر تدخله بمجلس المستشارين الثلاثاء الماضي كل شيء، إذ رفض أن ينفخ في موضوع حل أزمة التأشيرات، مكتفيا بنسبة التصريح للمسؤولة الفرنسية، وأن المغرب سيترقب مدى الالتزام بتنفيذ هذا الوعد، ومذكرا بأن قضية التأشيرة هي حق سيادي لكل الدول، وأن المغرب يريد أن يُعامَلَ مواطنوه بكل الاحترام من قبل الدول التي يريدون السفر إليها.

هذا التعليق، الذي يكتنفه قدر كبير من الشك، أو على الأقل، عدم إعطاء الموضوع أكثر مما يستحقه، يحمل بين ثناياه الكثير من الدلالات، في مقدمتها تشبث المغرب بثوابته الحاسمة في مدخل إصلاح العلاقة بين الرباط وباريس، وأن قضية الصحراء، لن تكون أبدا على الهامش، وأن استمرار التردد في الموقف، لا يمكن أن يغطي عليها الرقص على الحبلين، ويُمَني المسؤولين المغاربة بالحديث عن التعويل على فرنسا في دعم قضية الصحراء.

بعض الصحف الفرنسية، رأت أن التعنت في إنهاء التوتر الذي دام شهورا بين الرباط وباريس، لم يكن من جهة الرباط، وأن اتهام فرنسا للمغرب باستعمال برنامج «بيغاسوس» للتجسس على المسؤولين الفرنسيين، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، هو ما يفسر هذا التوتر، وأنه في اللحظة التي اقتنعت باريس بتنحية هذا الملف من عوائق تجسير العلاقة بين البلدين، صار كل شيء ممكنا، بما في ذلك الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي للرباط، وأن توجه باريس إلى الجزائر أولا، لعقد شراكة استثنائية، وإبقائها على خط التوتر والجمود مع المغرب، وذلك على غير العادة، يدعم هذا التحليل ويزكيه.

والواقع أن هذا التحليل لا يستند إلى أي مؤشر يدعمه، سوى ما كان من اللعب على حبل الخلاف بين الجزائر والمغرب، فموضوع العلاقة مع الجزائر، أملته اعتبارات استراتيجية، تتعلق بموضوع الطاقة لاسيما في هذه الوضعية الدولية التي تعرف أزمة طاقة كبيرة في أوروبا، وتعرف استقطابا حادا على الدول المصدرة للغاز.

ثمة على الأقل ثلاث مؤشرات تبين أن منشأ التوتر بين باريس والرباط لا علاقة له البتة بموضوع التجسس على هواتف المسؤولين الفرنسيين، وأن هذا الموضوع، كان مجرد ذريعة، تم توظيفها لإخفاء أسباب التوتر وحتى لا تبدو فرنسا في الموقع الأضعف في إدارة الصراع.

أول هذه المؤشرات، هو نجاح المغرب في إدارة العلاقة مع نادي الكبار، واستثماره للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، من أجل دفع بعض دول أوروبا للرضوخ لمطلبه في الخروج من مربع الازدواجية في الموقف من الصحراء، إذ نجحت الرباط في ضم مدريد وبرلين لموقفها، كما نجحت في استعمال ورقة الشراكة الاستراتيجية مع هذه الدول، في الضغط على باريس، وجعلها في صورة ما ستتعرض له مصالحها في المنطقة في حال الاستمرار في تبني خط الممانعة والازدواجية.

ثاني هذه المؤشرات هو خسارة فرنسا الكبيرة في غرب إفريقيا، أي في حديقتها الخلفية، لاسيما في دول الساحل جنوب الصحراء، واضطرار قواتها للانسحاب من مالي، وتضخم ظاهرة التذمر من وجودها في غرب إفريقيا، ومن نموذج العلاقة التي تبنيها مع هذه الدول، والقائمة على الابتزاز والاستغلال وعدم القيام بأي جهد في تنمية هذه البلدان. هذا في الوقت، الذي احتفظ المغرب بنفوذه وعلاقاته بهذه الدول، بما في ذلك مالي، التي رغم الانقلاب العسكري الذي بعثر بعض أوراق الرباط، إلا أنها نجحت في إيجاد صيغة التواصل التي حفظت مصالحها في باماكو.

ثالث هذه المؤشرات، وترتبط بدينامية المغرب القوية للتنبيه إلى المخاطر الناتجة عن توسع النفوذ الروسي والإيراني في المنطقة، والتي انتهت بتحقيق ثلاثة مكاسب أساسية، أولها، هو تحرك الولايات المتحدة الأمريكية لإقناع فرنسا بتفكيك العلاقة بين تونس والجزائر، والانتباه إلى مخاطر دعم الرئيس التونسي قيس سعيّد، والكسب الذي تجنيه طهران وموسكو من وراء ذلك. أما الكسب الثاني، فهو الحراك في التواصل الأمني والعسكري في المنطقة، والذي توج بعقد قمة أمريكية إفريقية في واشنطن، حضرها خمسون زعيما إفريقيا، وتخلفت عنها الجزائر. وأما المكسب الثالث، فهو إلغاء وزارة الدفاع الجزائرية لمناورة عسكرية مشتركة بينها وبين روسيا، كانت مبرمجة في غرب الجزائر في المناطق المتاخمة للحدود الشرقية المغربية.

هذه المؤشرات الثلاثة، فضلا عن التحولات الاستراتيجية في السياسية الخارجية الأمريكية والأوروبية في المنطقة الإفريقية، واتجاهها لمواجهة تحدي توسع النفوذ الروسي والصيني، جعل أفق العلاقة الفرنسية الجزائرية يتضاءل ليحافظ على الحد الأدنى الذي يضمن تدفق الغاز الجزائري، ودفع فرنسا للضغط على الجزائر للتوقف عن خدمة هدف توسع النفوذ الروسي في المنطقة، وعدم التحول إلى آلية للدعم اللوجستي له، لاسيما أمام تواتر معلومات تتحدث عن اعتماد الموازنة المالية الجزائرية لمبلغ 17 مليار دولار لتمويل صفقة تسلح من موسكو، ستوفر لروسيا السيولة المالية لتمويل الحرب ضد أوكرانيا. هذه المؤشرات الثلاثة، التي تبين في الواقع سياق زيارة وزيرة الخارجية الفرنسية للمغرب، تبين من جهة أخرى، تقدير الموقف الذي يتبناه المغرب في ترتيبه للعلاقة مع باريس، إذ يبدو عدم تعجله في إطلاق دينامية إصلاح هذه العلاقة، ما لم يتم البدء من حيث يجب، أي من تغيير الموقف الفرنسي من قضية الصحراء وخروجها من مربع الازدواجية، والالتحاق بكل من مدريد وبرلين، وأن بذل الهدايا غير الجدية، على شاكلة ما فعلت باريس مع الجزائر في موضوع الذاكرة، لا يقنع الجانب المغربي، إذ لا يشكل موضوع حل أزمة التأشيرات – هكذا بدون أن يكون ذلك جزءا من أجندة حوارية متكاملة – شيئا في التقدير المغربي إذا ما تمت مقارنته بإنهاء الازدواجية في الموقف من قضية الصحراء.

(القدس العربي)
التعليقات (4)
ناقد لا حاقد الى غزاوي
السبت، 11-02-2023 11:53 م
كلما يتعلق الامر بالمغرب نرى مطبلي العصابة من عبيد الرنجاز ....هل نحن نعيش بخير حتى نفكر في الآخرين ....ياك الشعب يستيقظ على الخامسة صباح من اجل كيسي حليب و طابور من اجل قارورة غاز او حتى قارورة زيت و الصور رو الفيديوهات مستحيل تكذيبها .... ما دخلنا في المغرب ان كنا حقا نرفض التدخل في الشؤون الداخلية لنا ...ام حلال علينا و حرام عليهم
غزاوي
الجمعة، 23-12-2022 08:34 م
مجرد تساؤل. ما الذي حفز زيارة وزيرة الخارجية الفرنسية إلى المغرب !!!؟؟؟ عندما عاد المغرب إلى بيت الطاعة وعرف حجمه وتنازل عن شروطه. 1. منح انجاز خط القطار السريع لفرنسا بدون منافسة مع غيرها وبدون شرط الملك الذي ربط منح المشاريع الكبرى بالموقف من قضية الصحراء. سارع الملك لتهنئة ماكرون لأن فرنسا هزمت المغرب. 2. تنازل المغرب عن "الحكم الذاتي" عندما صرح بوريطة بما نصه: "المغرب ليس مع الحل خارج الأمم المتحدة، وليس مع الحل المفروض؛ لكنه يقول بأنه حان الوقت من أجل اتخاذ قرارات واضحة" انتهى الاقتباس. مع التشديد على عبارة. 3. تنازل المغرب عن سيادته اللغوية بالتمكين لـ "الفرنكفونية"، عندما صرحت وزيرة الخارجية الفرنسية في المغرب بما نصه: “تأمل أن نذهب بثبات في هذه العلاقات الثنائية المغرب وفرنسا، سيما في ما يتعلق بالشراكة الفرنكفونية”. مع التشديد على عبارة "الشراكة الفرنكفونية ". باختصار شديد، تأكد لمن له عقل سديد، أن فرنسا لن تغير موقفها، خوفا من أن تلقى نفس مصير اسبانيا، ذلك ما شهد به المقال عندما قال: " وزيرة الخارجية الفرنسية، كانت قبل ذلك، عبرت عن موقف بلدها من قضية الصحراء، بشكل لم يصل إلى مستوى تطلع المسؤول المغربي، فقد حرصت أن تلعب على الحبلين." انتهى الاقتباس وبمختصر الكلام، الأحداث أثبت أن فرنسا وأمريكا هما اللتان تلهثان وراء الجزائر، والمغرب يلهث ورائهما، عكس ما أراد أن يسوغه المقال.
غزاوي
الجمعة، 23-12-2022 08:33 م
مجرد تساؤل. غموض أو وضوح !!!؟؟؟ الأستاذ قدح في ازدواجية فرنسا ومدح أمريكا وألمانيا وأسبانيا كأنهن خرجن من "مربع الازدواجية والتردد في الموقف من الصحراء". أولا: أن تغريدة ترامب ذهبت مع ذهابه، بدليل أن قرارات مجلس الأمن التي تُصِغها أمريكا في مجلس الأمن لا تشير للحكم الذاتي ولا تعترف بسيادة المغرب عن الصحراء. ثانيا: ألمانيا وأسبانيا كانتا أول من عارضتا تغريدة ترامب، و"إشادتهما" بمبادرة "الحكم الذاتي " ليس "رضوخا" كما يتصور الكاتب، بل موقف دبلوماسي غير فعال لتحقيق مآربهم في المغرب، بدليل خطاب سانشيز في الأمم المتحدة وتصريح وزيرة الخارجية الألمانية خلال زيارتها للرباط تمسكهما بمسعى الأمم المتحدة. ثالثا: الكاتب قدح ومدح مواقف الدول، لكنه تجاهل موقف بوريطة نفسه عندما صرح بما نصه: "المغرب ليس مع الحل خارج الأمم المتحدة، وليس مع الحل المفروض." انتهى الاقتباس. مع التشديد على عبارة "ليس مع الحل المفروض". الذي يعنى "الحكم الذاتي" الذي يريد المغرب فرضه على المجتمع الدولي.
غزاوي
الجمعة، 23-12-2022 05:54 م
مجرد تساؤل. هل المقال خال من التدليس !!!؟؟؟ جاء في المقال ما نصه: 1- "أما الكسب الثاني، فهو الحراك في التواصل الأمني والعسكري في المنطقة، والذي توج بعقد قمة أمريكية إفريقية في واشنطن، حضرها خمسون زعيما إفريقيا، وتخلفت عنها الجزائر" انتهى الاقتباس هنا الكاتب يثبت جهله أو تجاهله حضور الجزائر ممثلة في رئيس وزرائها أيمن بن عبد الرحمن، وتجاهل غياب الملك عن القمة. كما يثبت أن معلوماته غير دقيقة حول عدد الدول الحاضرة، كونها 49 وليس 50. 2- وبخصوص المناورات العسكرية مع الجانب الروسي التي كثر اللغط حولها، فقد كذبة مجلة الجيش كل الشائعات حولها. وأورده الكاتب نفسه في مقال له في جريدة "عربي21" يوم:02/12/2022، بما نصه: "أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية بيانا بثته عبر التلفزيون الرسمي، تنفي فيه إجراء أي مناورات عسكرية مشتركة مع موسكو على الحدود مع المغرب، كانت مقررة هذا الشهر، وتعزو نشر هذه الأخبار إلى وسائل إعلام دولية." انتهى الاقتباس.