كتاب عربي 21

صلاح منتصر.. كتاباته ومقالبه!

سليم عزوز
1300x600
1300x600

عندما كتب الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل مقاله الذي يستأذن فيه بالانصراف، كتبت ثلاث مقالات، قلت له فيها: "إذنك معك"، وأكدت أنه غير جاد في ذلك، بل قلت إنه لن ينصرف، وهو ما حدث فعلاً!

بيد أن الكاتب الكبير صلاح منتصر لم يستأذن في الانصراف، وكان قادراً منذ أن كتب عموده اليومي "مجرد رأي" في "الأهرام" على أن يستمر في كتابته، ولعل اعتذاره عن عدم الكتابة كان لمرات قليلة. وعندما قرأت خبر وفاته، دخلت على موقع "الأهرام" واكتشفت أن آخر عمود كتبه كان في 16 آذار/ مارس الماضي، وإن فوجئت بأن اثنين من الكتاب لا يزالان على قيد الحياة؛ "أسامة الغزالي حرب"، و"وحيد عبد المجيد"!

لم أتعرف على "صلاح منتصر" عن قرب، والمرة الوحيدة التي صافحته فيها، كانت في مجلس الشورى، إبان حكم الإخوان، وكنت هناك بغرض مقابلة رئيس المجلس، الذي هو في الوقت ذاته رئيس المجلس الأعلى للصحافة، بعد استبعادي من عضويته قوة واقتداراً، وكان القانون يكفل عضويتي فيه بحكم كوني رئيساً لتحرير صحيفة حزبية، هي أقدم صحيفة معارضة في أول تجربة تعددية بعد ثورة يوليو (صدر العدد الأول في تشرين الثاني/ نوفمبر 1977)، بينما "منتصر" كان هناك لأنه من الذين شملهم القرار الرئاسي بالتعيين ضمن الشخصيات العامة، وكان من أبرز الأعضاء المعينين في الأعلى للصحافة بقرار من الدكتور محمد مرسي، ومعه إبراهيم حجازي وخالد صلاح!

وكان بيني وبين الكاتب الراحل منتصر، اتصالات هاتفية قبل سنوات من هذا اللقاء، كانت بدايتها في سنة 2000، إن لم تخن الذاكرة؛ إذ تلقيت اتصالاً هاتفياً من الكاتب الكبير يوسف الشريف، الذي كنت قد عملت معه "محرراً" عندما كان يشغل موقع مدير مكتب جريدة "الوطن" الكويتية قبل الغزو العراقي:

- سليم، أرجوك اتصل بصلاح منتصر، دايخ عليك، هذه نمرته!

ولم ينس أن يكرر "أرجوك" أكثر من مرة، ولم أسأله عن سبب ذلك، فقد بدا في عجلة من أمره، ثم أنني بعد قليل سأعرف السبب، وإذ اتصلت به، فلم أكد أذكر اسمي حتى تلقيت رداً فاتراً:

- لا خلاص!

- ايه هو اللي خلاص؟!

تحمس بعض الشيء وهو يقول:

- أنا أتابع كتاباتك منذ فترة طويلة، وتعجبني طريقتك في الكتابة، فكنت أعتقد أنك من جيلنا وقد نسيتك في الزحام، فلما سألت يوسف الشريف قال لي إنك "من دور ولادنا"!

ثم تبين أن هذا الفتور مصطنع، فقد انتقل إلى الحماس، والتذكير ببعض المقالات، وكنت حينئذ أكتب زاوية يومية، وتبين لي أنه متابع جيد، الأمر الذي أسعدني ولا شك، أن تكون هذه الشهادة من كاتب كبير مثله. وقد أعجبني في شخصيته هذا التعالي على منصب رئيس التحرير، وقد كان يشغل موقع رئيس مجلس إدارة دار المعارف، ورئيس تحرير المجلة التي تصدر منها "أكتوبر"، فقد فاجأ رئيس مجلس الشورى باتصاله به وإعلانه أن هذا هو اليوم الأخير له في المنصب، وأن عليهم أن يعينوا بديلا له، لأنه لن يأتي للمكتب غدا مهما كان الثمن، وعبثاً حاول الدكتور مصطفى كمال حلمي، رئيس مجلس الشورى، أن يثنيه عن ذلك، إلى حين إبلاغ الرئاسة، وكان معلوماً أن رؤساء المؤسسات الصحفية القومية مستمرون في مواقعهم بالمخالفة للقانون، رغم تجاوزهم سن الإحالة للتقاعد!

نافع ومحاولة سرقة انتخابية:

كان الموقف الثاني برفضه منصب نقيب الصحفيين، عندما دفع إبراهيم نافع به للترشح، وقد أغراه بذلك زهده في الموقع، لأنه يضمن أن يغادر بعد عامين، هي مدة الدورة، ولن يستمر لدورتين كما ينص القانون، وكما كان الحال طيلة الدورات الماضية، إذ كان يتم تبادل الموقع بين نافع ومكرم محمد أحمد منذ منتصف الثمانينات!

كان إبراهيم نافع يعد لسرقة دورة، لكن القضاء لم يمكنه من ذلك، إذ كان أحد الصحفيين لم يتم قيده في النقابة، وإدراجه إدراجاً حقيقيا في كشوف المرشحين وأعضاء الجمعية العمومية، إعمالاً لحكم القضاء، وعليه تقرر بطلان الانتخابات، فنصح قانونيون إبراهيم نافع أن يقلد تجربة أحمد الخواجة في نقابة المحامين، فرغم أن القانون لا يعطي الخواجة الحق في شغل الموقع لأكثر من دورتين، مدة كل دورة أربع سنوات، إلا أنه ظل في موقعه سبعة عشر عاماً، إلى أن فرضت الحراسة على النقابة، ووفاته هو بعد ذلك!

فلم يسمح الخواجة للدورة الثانية أن تكتمل أبداً، فبعد كل انتخابات يقوم أحد رجاله بالطعن في نتيجة الانتخابات استناداً لثغرات قانونية، فيتم القضاء بإعادة الانتخابات، بعد ثلاث سنوات أو أكثر، المهم قبل نهايتها!

لكن مشكلة نافع مع قانونيين طالعوا العنوان ولم يتطرقوا للمتن، ففي حالة نقابة الصحفيين لم يتم تنفيذ الحكم مباشرة بعد صدوره، فقد وضع في الثلاجة إلى حين انتهاء الدورة بنهايتها الطبيعية، ومن ثم تم إخراج الحكم، ليس لقيد هذا الصحفي إعمالاً لحجية الحكم القضائي واجب التنفيذ وبالمسودة، ولكن للاستفادة منه في الشق الخاص ببطلان الانتخابات، ومن ثم يحق لنافع الترشح للانتخابات الجديدة!

وبدت أسهل انتخابات يخوضها إبراهيم نافع، فالمنافس التقليدي جلال عارف كان قد عزف عن خوض الانتخابات، ومن يتبادل معه الموقع مكرم محمد أحمد يعتبر أنه تلقى إهانة بالغة، عندما طلب منه مبارك عدم الترشح لدورة ثانية كما هو متبع، وتركها لإبراهيم نافع، الأمر الذي استخدم في الدعاية ضده بوصفه بـ"المحلل" لإبراهيم نافع!

كان مكرم إذا غضب، يفقد قدرته على ضبط تصرفاته، وكان هناك أحد الأشخاص قد أسس نقابة موازية، بالمخالفة للقانون، وبدا أن هناك من يقفون خلفه لإحراج مكرم، والذي استغل سفره مع الرئيس مبارك ضمن رؤساء تحرير الصحف، وفي الطائرة اشتكى للرئيس وهاج وماج، بأنها مؤامرة ضده يقف خلفها وزير الداخلية وإبراهيم نافع، الذي كان حاضراً، لكن لأنه كان هادئا بطبعه ويفهم في أصول التعامل في حضرة رئيس الدولة فلم يرد، وإذ اعتاد مبارك من مكرم على مثل هذه التجاوزات إلا أنه لم يقبل ما حدث بعد ذلك!

لقد كان الوفد على العشاء في هذا البلد المضيف، عندما تم التطرق لموضوع النقابة البديلة وغيرها من موضوعات مثل قيام أحد الصحفيين بإصدار بيانات ضد مكرم، واتهم نافع بأنه وراء ذلك وبتواطؤ وزير الداخلية، وفي لحظة غضب قذف إبراهيم نافع بطبق من الطعام، ووصل الأمر لمبارك فغضب وكان قراره!

النقابة سيدة جدولها:

وإزاء هذه السرقة لدورة جديدة، تقدم عدد من الصحفيين الشبان بدعاوى قضائية، وقد فصل فيها القاضي منصور حسن غربي، رئيس الدائرة الثانية بمجلس الدولة، باستبعاد إبراهيم نافع، لأنه لا معنى لبطلان الدورة بعد اكتمالها، وذلك في حزيران/ يونيو 2003!

ورفعت ساعتها شعارات أن النقابة سيدة قرارها، وجاء جلال عارف مسانداً لإبراهيم نافع في هذا الاتجاه، ورأى جهاز الأمن ألا تجرى الانتخابات وأن يستمر إبراهيم نافع في موقعه، ربما لتكرار تجربة نقابة الأطباء، إذ ظل المجلس في موقعه بالمخالفة للقانون أكثر من عشرين عاماً!

لكن بدا أن كل ما قيل هو تصرفات عنترية لا أكثر، مع استمرار عدد من شباب الصحفيين في رفع الدعاوى القضائية لإلزام اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات بإجراء الانتخابات!

وكان القاضي غربي يدرك أنه يواجه إمبراطوراً اسمه إبراهيم نافع، فقد رأيت مع كل حكم يصدره يديه ترتجفان وهو يتلوه، لكنه في كل مرة كان ينتصر للقانون، ولا يخضع بالقول!

وفي النهاية لم يصح إلا الصحيح، وتقرر فتح باب الترشيح، وكان الأفضل لنافع هو هذا الزاهد الذي سيمكنه من العودة بعد سنتين، وكان الرأي أن صلاح منتصر لن يمارس صلاحياته، ونقل عنه قوله إنه لن يأتي كل يوم إلى النقابة، وسيديرها من مكتبه في الأهرام وذلك بعد أن اضطر لتقديم طلب ترشحه، وهو ما تم توظيفه في الدعاية ضده!

فقد اتصل به زكريا عزمي، رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، ينقل طلب الرئاسة له بالترشح، لكنه اعتذر، وبدا كما لو كان اعتذاره مقبولا، ولكن بعد عدة أيام كان الاتصال الثاني من مبارك نفسه، كان أمراً بالترشح بدون فتح الباب للأخذ والرد، فقد أنهى المكالمة بدون الاستمتاع إليه!

واحتشد إبراهيم نافع خلفه وسخّر كل إمكانياته، لكن منتصر كان كلاً عليه، فالمرشح ليس مستعداً لقبول أي تجاوز ضده تسمح به ثقافة الانتخابات، وحق الناخب على المرشح، وإذ احتد عليه صحفي قابله حدة بحدة، كان مرشحاً للسقوط مما عزز من فرص منافسه جلال عارف، وإن ظلت قوته في قوة حشد نافع، فقد كان قلماً واحداً كفيلاً بإسقاطه!

لقد كتب شفيق أحمد علي ثلاث مقالات في جريدة "العربي"، عن الدور التطبيعي لصلاح منتصر وعلاقته بإسرائيليين وسفره إلى تل أبيب، بالمخالفة لقرار الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين بحظر التطبيع وكل ما يقرب إليه من قول أو عمل!

وتنفس صلاح منتصر الصعداء بسقوطه، فقد كان مقبلاً على الحياة، يهوى السفر ويمارس الرياضة حتى بعد سن الستين، وما يريده من الدنيا هو الوجاهة الاجتماعية غير المكلفة للصحة والمتلفة للأعصاب، وهو ما يحققه في كونه كاتباً في "الأهرام" أو في تعيينه عضواً في مجلس الشورى، أو المجلس الأعلى للصحافة، أو في هذه اللجنة أو تلك، وعندما عرضت على رئيسة التلفزيون السيدة سهير الإتربي عضوية لجنة إعادة اختيار المذيعات، قالت إن اللجنة سيكون فيها أنيس منصور وصلاح منتصر!

الوجه الآخر:

ويملك صلاح منتصر شخصية أخرى غير التي يراها الناس، ويكتب بها، فما يعرفونه شخص جاد وجامد، ومن هنا لا تكتسب كتاباته مسحات الجمال والفكاهة، لكن عندما استمعت إلى الجانب الآخر في شخصيته أدهشني أننا لا نشعر بهذا في مقالاته، وهي حالة انفصال ليست خاصة به، لكن يشاركه في ذلك كثيرون، والمسألة لها علاج، والعلاج يكون بالتمرين، وليس هذا هو موضوعنا!

لقد جن جنون "يوسف إدريس" بعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل، وكان يرى نفسه أنه الأحق بها، وأنهم تخطّوه ومنحوها لنجيب محفوظ بسبب الموقف من السلام مع إسرائيل، فهو -أي إدريس- معارض لاتفاقية كامب ديفيد على العكس من محفوظ ولهذا حصل عليها، ولم يتورع عن إعلان هذا الرأي على قسوته، لا سيما وأن مصر كلها مع اختلاف توجهاتها بدت سعيدة بهذا الفوز!

وفي هذه الفترة سافر وفد صحفي إلى بغداد، كان فيه "يوسف إدريس" و"صلاح منتصر"، ومن غرفته في الفندق أدار الأخير قرص الهاتف، ليتصل بجاره بالجنب، مدعياً أنه صدام حسين، ليخاطب في يوسف إدريس عاطفته ونرجسيته!

صرخ يوسف إدريس وهو يتلقى الاتصال من "الأخ القائد"، صرخ متهللاً، وصرخ مرحباً، بينما "الأخ القائد" يحدثه عن إبداعه الذي تربى عليه، قصة قصة، وكتاباً كتاباً، وبالاسم، من أول "الفرافير" إلى "أرخص ليالي"، ولم يجد يوسف إدريس من سبيل إلا أن يلهث بالشكر عقب كل مقطع، بعبارة واحدة وبصوت اختلطت فيه العاطفة والحماس بالزهو:

- شكراً أيها الأخ القائد!

وصل الأمر لذروته والأخ القائد يبدو ملماً بما حدث:

- نعلم أنك الأحق بجائزة نوبل، لكن هؤلاء الصهاينة أعداء الأمة حجبوها عنك لمواقفك العروبية العظيمة، وانحيازك لقضايا الأمة، ولهذا قررت جائزة بحجم الأمة العربية تنسف نوبل من حيث القيمة المادية والأدبية، وتقرر منحها هذا العام لك!

كان صلاح منتصر يتحدث باللهجة العراقية، بينما صوت يوسف إدريس قد وصل لأعلى السماء، وفي النهاية طلب بصفته "صدام حسين" أن ينشر خبر الجائزة والفائز في "الأهرام"، وعند وصول العدد من القاهرة، يرسله للقصر الرئاسي، تمهيداً لبدء إجراءات تسليم الجائزة الكبرى. وكانت الطبعة الأولى قد صدرت، واتصل يوسف إدريس برئيس التحرير المناوب، يطلب منه نشر الخبر في الطبعات التالية؛ خبر في الصفحة الأولى وإحالة للصحفة الأخيرة، حيث التفاصيل بصورته وصورة القائد، ونشر أغلفة كتبه وموضوعاتها!

واتصل منتصر برئيس التحرير المناوب، يخبره بمقلبه في يوسف إدريس، لكنه لم يكن مستعداً لتفهم الأمر، وكان اتصاله التالي بإبراهيم نافع فمنع نشر الفضيحة!

وبعد يومين كان يوسف إدريس في السفارة المصرية في انتظار وصول "الأهرام"، فلما وصل العدد بدون نشر شيء ثار كعادته، واتصل بإبراهيم نافع غاضباً، الذي أخبره بسبب عدم النشر، وعاد للفندق يبحث عن صلاح منتصر لكي يفتك به.

حملة الإدمان:

وللأسف فهذه الشخصية الفكاهية لم تنعكس في كتابات منتصر، التي كانت جادة، وباهتة في كثير من الأحيان، فلم يحفظ له الناس خلال هذا العمر الطويل في الكتابة، سوى حملته على الإدمان والتدخين، وزيارة الفنانة سمية الألفي وزوجها الفنان فاروق الفيشاوي له في مكتبه وقت نشر حملة الإدمان، وفيه اعترف بإدمان الفيشاوي، وكتب عن نضال الزوجة في إتمام عملية إقلاعه، وعندما وقع الطلاق بينهما قالت الشائعات إن صلاح منتصر تزوج من سمية الألفي، ولم يكن هذا صحيحاً!

ولا يتذكر له أنصاره سوى هذه الحملة، ولا يتذكر خصومه سوى أنه أحد المطبعين، وحتى موقفه من الشيخ الفاسي، شيخ ما يسمى بالمجلس العالمي للطرق الصوفية، لم يعد أحد يتذكره، وهو الرجل الذي اخترق الصحافة المصرية، بالإعلانات والعلاقة مع كبار الكتاب، وكتب عنه صلاح منتصر مع الكاتبين، وعن نشاطه الدعوي وخدمته للدين، وتردد أنه من تكفل بعلاج زوجة صلاح منتصر من مرض السرطان في لندن حيث يعيش الفاسي، كما تردد أنه تكفل في نفس الفترة بعلاج زوجة سمير سرحان، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، الذي استضافه في ندوات معرض الكتاب، ولم يتم الشفاء في الحالتين، وليس هناك ما يعزز مثل هذه الروايات!

وكانت هناك علاقة تربط الفاسي نفسه بإبراهيم نافع، وقد منع نشر هجوم عليه من قبل أحمد بهاء الدين في عموده "مواقف" بـ"الأهرام"، فامتنع عن الكتابة كلية. وكان هذا في بداية عهد مبارك، الذي يرى أنه الموظف القائم على الدولة التي تركها له السادات فحافظ على رجالها، ومؤسساتها، وأحزابها، باعتباره وكيل أعمال!

وعندما اشتد الخلاف بين عبد الله عبد الباري، رئيس مجلس إدارة "مايو" (صحيفة الحزب الحاكم)، ورئيس التحرير أنيس منصور، وتكررت شكاوى منصور للرئاسة، استقال في النهاية، وكنت عند فرج فودة في مكتبه وهو يتصل به مواسياً، وأنه أكبر من أي رئيس تحرير، وأن اسمه في حد ذاته منصب، بدا "أنيس" وقد فاض به الكيل من مبارك، الذي قال إنه في كل مرة يشتكي له، يكون رده "أنتم صحفيون كبار حلوا مشاكلكم مع بعض"، على العكس من السادات، الذي كان سيبحث الخلاف بنفسه ويستدعيهم ليسمع منهما!

وكان بهاء الدين مقرباً من السادات، وواحداً من كبار الكتاب في عهده، ومن هنا غضب مبارك الذي كان يهتم بالظاهر، فلا يصح أن يتوقف بهاء الدين عن الكتابة، ولا بد من أن يسترضيه إبراهيم نافع بشتى الطرق، دون أن تستغرقه التفاصيل، ولعله لم يفهم سوى أن بهاء الدين امتنع عن كتابة عموده اليومي بالأهرام، لخلاف مع إبراهيم نافع، فكان لا بد من أن يعود، بدون التطرق لفكرة نشر المقال سبب الأزمة!

وإن بذل نافع كل وسعه من أجل ترضية بهاء الدين، فقد عاد للكتابة لكن لم ينشر المقال الذي يهاجم فيه الشيخ الفاسي، والذي لم ينجح في اختراق كل كبار الصحفيين، فقد كتب موسى صبري يهاجمه!

إن رحيل صلاح منتصر ليس كاشفاً عن رحيل جيل الآباء في الصحافة، فقد رحل في وقت رحلت فيه المهنة نفسها بقرار سيادي!

رحم الله الجميع.

 

twitter.com/selimazouz1


التعليقات (1)
الكاتب المقدام
الإثنين، 16-05-2022 04:45 م
*** المقالة تصلح بأن تعنون بعنوان "من دفتر الذكريات"، وهو العنوان الذي يولع به قدامى كهول الكتاب، وتحته يصولون ويجولون في نشر ذكرياتهم القديمة التي تستعرض سعة اطلاعهم واتصالاتهم ومعارفهم، وسبقهم في عالم الصحافة، وذلك غالباً ليلزموا شباب الصحفيين الواردين إلى عالم الصحافة والإعلام حديثا بحدودهم، وليعلموا قدرهم ومكانة كل واحد منهم، والعيب في ذلك الاستعراض لدفتر الذكريات على طرافته، أنها تبدوا للقارئ أحداثاُ متناثرة لا رابط بينها، ومنقطعة الصلة بالواقع، وبالذات في الأوقات الحافلة بالأحداث الجسيمة كأوقاتنا، حيث يكون القراء غير مستعدين لسماع أخبار وذكريات قديمة عن شخصيات قد رحلت عن عالمنا أو انتهى دورها واضمحل، أو دفنت في ثنايا النسيان، والأخ صلاح منتصر هذا، الذي كان ينتحل صفة الكاتب الإصلاحي الجليل الجاد في موضوعاته، والذي صدمنا فيه كما صدمنا في شخصيات كثيرة مثله، كانوا يبدون وكأنهم من طلاب الإصلاح واصحاب الرسالات السامية، المجاهدين في الدفاع عن مبادئهم ومواقفهم، ومن حسنات الانقلاب أنه قد أظهر لنا حقيقة شخصيات كهذه كنا نعدهم من حملة أمانة الكلمة، فإذا بنا نكتشف بأنهم في الواقع اراجوزات انبطحت تحت بيادة عسكر الانقلاب، وعلى استعداد لأن يرقصوا عشرة بلدي على دقات دفوف الانقلابيين، وعلى استعداد للعب دور عجين الفلاحة، ويستلقوا في دور نوم العازب، للاحتفاظ بهنائتهم وطيب عيشهم، وكل يسعى إلى مبتغاه، وينتهي أمره مع من أظهر الولاء له والتبعية لدجله، ويحشر معه، والله أعلم بعباده.