قضايا وآراء

حماية مناخ الكوكب من الوعي الزائف

هاني بشر
1300x600
1300x600
ككثير من القضايا المعاصرة، أصبح للقضايا البيئية بُعد قيمي يتجاوز الأغراض النبيلة للحفاظ على الموارد وترشيد الاستهلاك. فخلال العقدين الأخيرين تشكلت دوائر انتماء وقيم عابرة للأطر القومية والدينية؛ تتمثل في التضامن البيئي والحفاظ على كوكب الأرض من تغول الأنشطة الصناعة الضارة والاستهلاك المفرط للإنسان، والمثال الشائع هو التذكير دوما بحجم البلاستيك في العالم كمادة ضارة بالبيئة وبالحياة الطبيعية للحيوانات على الأرض.

وتجلت هذه المنظومة القيمية الجديدة في جماعات ضغط ومظاهرات خاصة في الدول الغربية، لكن عيوبا خطيرة في هذه المنظومة الجديدة أدت إلى النتيجة التي نراها اليوم، وهي مزيد من الأنشطة التدميرية للكوكب بالتزامن مع مزيد من المؤتمرات والفعاليات المحلية والدولية.

نقطة الضعف في الوعي البيئي المعاصر أنه تحول إلى أيديولوجيا من دون مقومات الأيديولوجيا، وقفز من مجرد مطلب إنساني عادل إلى مصاف العقائد الإنسانية الراسخة. ولا أدري الأسباب التي أدت لذلك، لكن المحصلة النهائية أن هذا المطلب أصبح من ضمن المعايير التي تحرص الدول والمؤسسات على الالتزام بها شكليا من دون مضمون، تماما كأن تأتي بممثل لحزب من الأحزاب أو تيار من التيارات في الحكومة ليتولى وزارة من دون تأثير يذكر على السياسات العامة في البلاد. بمعنى آخر، أصبحت القضايا البيئية ديكورا يجب أن يكون موجودا من دون فعالية تذكر.
نقطة الضعف في الوعي البيئي المعاصر أنه تحول إلى أيديولوجيا من دون مقومات الأيديولوجيا، وقفز من مجرد مطلب إنساني عادل إلى مصاف العقائد الإنسانية الراسخة

في الدول الغربية تجلت هذه الأيديولوجيا محليا وترسخت، وأصبحت أشبه بحالة طائفية يدافع عنها ويتبنى أجندتها التيارات الأقرب لليسار. وانتقلت المسئولية العامة المباشرة للدولة إلى ممارسات فردية شخصية تطمئن ضمير كثير من الأفراد بأنهم ببعض ممارسات الترشيد؛ فإنهم قد حققوا الحفاظ المطلوب على البيئة وحموا الكوكب من مخاطر التغيير المناخي الكارثي. ولم تنتقل أهمية القضايا البيئية من هذا المربع، رغم خطورتها لتصل للقضايا الاقتصادية والسياسية التي تستطيع تجييش الشارع في لحظات.

أما في دول الجنوب ومنها دولنا العربية، فإن القضية محصورة في دوائر نخبوية ضيقة رغم أجراس الخطر التي تجاوزت مرحلة الدق إلى مرحلة التحذير من كارثة قادمة لا محالة، كما يصفها تقرير "الثورة القادمة في شمال أفريقيا، الكفاح من أجل العدالة المناخية" الصادر عام 2015 عن ثلاث مؤسسات دولية، وهي "روزا لوكسمبورغ" و"بلاتفورم لندن" و"عدالة بيئية شمال أفريقيا".

يحذر التقرير من تدمير حرفي لما نعرفه اليوم بشمال أفريقيا، وتداعيات ذلك المتمثلة في موت كثيرين واضطرار ملايين للهجرة خلال عشرين عاما. ويقول بوضوح أيضا إن الأمر ليس مجرد ظاهرة طبيعية أو عاصفة، وإنما نتيجة حرب شرسة يشنها الأغنياء ممثلين في الشركات متعددة الجنسيات والعواصم الكبرى ضد الطبقات العاملة وصغار المزارعين والفقراء؛ بسبب الاستمرار في حرق الوقود الأحفوري.
تنعقد قمة الأمم المتحدة للمناخ في مدينة غلاسكو الأسكتلندية من دون سقف طموحات عال، بل مجرد قمة أخرى وحفل استقبال لإنهاء بعض الصفقات السياسية التي لا علاقة لها بالبيئة ولا بالمناخ؛ بين أطراف يشارك كثير منها في تدمير موارد الكوكب

غني عن الذكر أن ربع المدة المذكورة في التقرير قد انقضت بالفعل منذ عام 2015 وحتى الآن، وبدأنا نرى بوادر هذه الأزمات ربما أكثر بروزا على الساحة؛ في أزمة سد النهضة وتداعياتها المتوقعة.

وسط كل هذه الأجواء، تنعقد قمة الأمم المتحدة للمناخ في مدينة غلاسكو الأسكتلندية من دون سقف طموحات عال، بل مجرد قمة أخرى وحفل استقبال لإنهاء بعض الصفقات السياسية التي لا علاقة لها بالبيئة ولا بالمناخ؛ بين أطراف يشارك كثير منها في تدمير موارد الكوكب. الديكور هذه المرة فخم وكبير لإقرار بعض التوصيات، تماما كما حدث مع قمة باريس للمناخ عام 2015. وسيبقى المسكوت عنه قائما، وهو أن هذه الدول الغربية الكبرى هي من تقود الحرب المناخية الجديدة على الفقراء في بقاع مختلفة من هذا الكوكب، وإن لم يكن هذا أسوأ أنواع الاستعمار فماذا يكون؟

twitter.com/hanybeshr
التعليقات (0)