قضايا وآراء

هجوم غازي عينتاب والحرب الأهلية

1300x600
كانت ليلة العشرين من آب/ أغسطس الحالي؛ ليلة مروعة لأهالي مدينة غازي عنتاب في الجنوب التركي ولعموم سكان تركيا. فالهجوم الذي استهدف أحد الأعراس في حي تقطنه غالبية كردية في المدينة، وراح ضحيته أكثر من 50 شخصاً وخلّف قرابة المئة جريح من المحتفلين، لم يُحل العرس إلى مأتمٍ فحسب، بل حمل في الوقت نفسه إشاراتٍ خطيرة على محاولاتٍ لإشعال فتنةٍ بين مكونات المجتمع التركي من خلال الاستهداف المتتالي لخطوط الصدع المجتمعي.

ليست المحاولة الأولى

لم يكن هذا التفجير هو الأول لا من حيث الفئة المستهدفة ولا من حيث الإشارات حول الجهة التي تقف خلفه. فقبل سنةٍ تماماً، في العشرين من تموز/ يوليو 2015 استهدف تفجيرٌ انتحاريٌ آخر تجمعاً لشبيبة أحد الأحزاب اليسارية المقرب من حزب العمال الكردستاني في منطقة سروج، في مدينة أورفة جنوبي تركيا، حيث كان عشرات الشبان والشابات يستعدون للتوجه لمدينة عين العرب (كوباني) إثر سيطرة قوات الاتحاد الديمقراطي عليها بعد دحر داعش من المدينة. التفجير المذكور أدى في حينها إلى تبادل الاتهامات بين الحكومة وحزب ديمقراطية الشعوب الكردي ومن خلفه حزب العمال الكردستاني، كما أن التفجير أنهى عملية السلام بين الحكومة والعمال الكردستاني، وفتح الباب لعودة المواجهات بين الطرفين من جديد. تفجيرٌ آخر وبملامحٍ مشابهة وقع في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي واستهدف تجمعاً لأنصار حزب الشعب الديمقراطي والنقابات المقربة منه أمام محطة القطار الرئيسية في العاصمة أنقرة، قبيل التحرك في مسيرة كانت قد دعت لها هذه الجهات. وقد سبق هذين التفجيرين هجماتٌ أخرى استهدفت حزب ديمقراطية الشعوب في النصف الأول من العام الماضي. التفجيرات الثلاثة استهدفت تجمعاتٍ كردية أو أنصارا لحزب العمال الكردستاني، ونُفذت بالوسيلة نفسها عبر هجماتٍ انتحاريةلإيقاع أكبر قدرٍ من الضحايا المدنيين تحديداً.

على الجانب الآخر، تشير أصابع الاتهام إلى الفاعل المجهول ذاته. فعلى الرغم من أن كل المعطيات، كما صرح المسؤولون الأتراك، تشير إلى أن الهجمات تحمل بصمات داعش، إلا أن الأخير (أو أي جهةٍ أخرى) لم يعلن مسؤوليته عن أي من الهجمات. وكان من الملفت أيضاً أن التنظيم لم يتبن أو يعلّق حتى ولو بالنفي على هذه الهجمات أو غيرها من التي اتّهم بتنفيذها في تركيا، علماً أن التنظيم يسارع عادةً لتنبي عملياته في شتى أصقاع الأرض، من إندونيسيا وحتى الولايات المتحدة، كما أنه تبنى سابقاً اغتيال عدد من الصحفيين والناشطين المعارضين له على الأراضي التركية.

الفتنة هي الهدف

مما لا شك فيه أن الأعمال الإرهابية كهذه التفجيرات ليست هدفاً بحد ذاته، فالإرهاب هو وسيلةٌ تلجأ إليه بعض الجهات لتحقيق أهدافٍ معينة، وليست فعلاً عبثياً على الإطلاق. وبالنظر إلى التفجيرات الثلاثة يمكن استبعاد أن يكون المستهدف من وراء هذه التفجيرات الدولة التركية بمؤسساتها وأجهزتها الأمنية، فالهجمات لم تطل مراكز الشرطة والدوائر الحكومية، كما أنها لم تستهدف هدفاً عسكرياً أو أمنياً، بل استهدفت وبشكلٍ متتال جرحاً مجتمعياً نازفاً.

يبدو أن الجهة المستهدفة، من خلال هذه الهجمات الثلاثة هي المجتمع التركي وتماسكه وسلمه الأهلي، حيث إن هذه الهجمات ومن خلال استهدافها المتتالي لشريحة معينة واستفزازها في سعيٍ لإثارة نعرات قومية وسياسية، تحاول العمل على توسيع الشرخ المجتمعي، وتعزيز الاستقطاب الداخلي في محاولة لتهيئة الأرضية المجتمعية والمناخ العام لنشر بذور الحرب الأهلية.

استهداف الشريحة الكردية، وتحديداً المناصرة منها لحزب العمال الكردستاني، بهذه الهجمات الإرهابية البشعة تسعى لرفع حالة الغليان المجتمعي وزيادة الاحتقان، وتعميق الشرخ الطولي في المجتمع، خاصة مع ارتفاع أصوات الرصاص القادمة من الجانب الآخر من الحدود التركية السورية، وفي ظلّ مناخٍ إقليمي تحجب فيه غيوم النزاعات البينية السوداء شمس العقل والمنطق، وتعلو فيه أصوات الرصاص على لغة الحوار.

ولعل أحدهم يسأل: ما دامت هذه الهجمات لا تستهدف الحكومة بل خصومها السياسيين؛ فلماذا لا تكون الدولة هي من تسهل مثل هذه الهجمات كما يردد بعض مناصري حزب العمال الكردستاني؟ الناظر إلى ردود الفعل المجتمعية وعواقب هذه الهجمات السياسية يعلم أنها لا تصب في صالح الحكومة، بل على العكس من ذلك، تساعد في زيادة الاستقطاب السياسي الذي يضر بحزب العدالة والتنمية الحاكم والمتموضع في الوسط سياسياً، كما أنها تساعد حزب العمال الكردستاني في شدّ وتعزيز قاعدته الجماهيرية، وتوفر له ولواجهته السياسية حزب الشعوب الديمقراطي مادة سياسية لمهاجمة الحكومة، وتظهر الحكومة في موقف العاجزة عن حفظ الأمن. وتكفي الإشارة هنا إلى أن الهجمات التي استهدفت حزب الشعوب الديمقراطي في النصف الأول من العام الماضي، وكان آخرها التفجير الذي استهدف تجمعه الانتخابي قبيل انتخابات حزيران/ يونيو 2015 رفع أصوات الحزب في الانتخابات ولم ينقصها، ما ساعده في اجتياز العتبة الانتخابية في حينها.

العمل على استهداف خطوط الصدع المجتمعي الإثنية والطائفية، من خلال الاستهداف المستمر والمتتالي للشريحة المجتمعية التي تبدو الأضعف، وبالوسائل ذاتها التي تهدف إلى إيقاع أكبر عددٍ من الضحايا ونكء الجراح المجتمعية ورفع حالة الغليان لحدود الانفجار، ليس جديداً؛ لا على الجهة التي يعتقد أنها المنفذة ولا على مجتمعاتنا، فمثالا العراق وسوريا واضحان للعيان، والأمثلة على محاولات تمزيق النسيج المجتمعي التي يقوم عليها الفاعل المجهول ذاته في الدول الأخرى يطول ذكرها.

يبقى الرهان في التصدي لمحاولات نشر بذور الحرب الأهلية معقوداً على المجتمع ووعيه ومدى تماسكه، فالمحاولات لن تتوقف بالتأكيد. وعلى الحكومة التركية السعي لمعالجة الثغرات الأمنية، فيما يجب على السياسيين ورجال الرأي أن يعملوا على رفع مستوى الوعي الشعبي وتعزيز التماسك والأمن المجتمعيين.