قضايا وآراء

لماذا بايع شباب الخليج المترف تنظيم الدولة؟!

1300x600
تمشي في مراكز المدن السورية الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة، وتُفاجأ بحجم الحضور الخليجي، وعندما تتعمق في مؤسسات التنظيم، ولا سيما الشرعية، تزداد الغرابة التي تصل حد الدهشة والانبهار عندما تعلم أنَّ أكثر من 60% مما يسمى "العمليات الاستشهادية" (الانتحارية) نفذها سعوديون، فما الذي دفع أبناء هذه الدول المترفة المنعمة للانخراط في تنظيم الدولة، وتقديم كل هذه التضحيات بالمال والأرواح؟

لا يدرك كثيرون أنَّ جل المنخرطين لا يملكون أي خلفية متطرفة، بل إنّ معظمهم قدم لسورية بداية لنصرة الشعب السوري، ولم يدر في خلده أن يؤسس خلافة في بلاد الشام والرافدين، ولم نكن نتوقع يوما ما أن يتنكر هؤلاء للثورة السورية ويقلبوا ظهر المجن.

لا يدرك كثيرون أنّ نسبة كبيرة من الشباب العربي مهيأ لمبايعة تنظيم الدولة، وواهم من يعتقد أنّ المال أو التطرف الديني عاملان رئيسان في المعادلة، فقد أثبت الواقع –كما سبق وأوضحنا- أنهم جاؤوا من بيئات اجتماعية تنتمي لكل شرائح المجتمع، وهناك صفات حميدة للمجتمع الخليجي عموما والسعودي خصوصا، عرف التطرف مغازلتها، وتمكن من إيقاع الشباب في شرك غرامه.

استفاد تنظيم الدولة من التربية والبيئة الدينية الصحيحة للمجتمع الخليجي حيث نجح بتسخير ذلك لأهدافه من خلال طرح مشروع الخلافة الإسلامية، وطرح نفسه كمدافع وحام وحيد لأهل السنة أمام المد الشيعي، والغرب الحاقد، ولمسنا كيف تحول الهدف من نصرة للسوريين للقضاء على الشيعة من خلال عملية شحن طائفي مدروسة ومنظمة ساهمت ممارسات الطرف الآخر الطائفية بتعزيز ذلك التوجه.

وعزف تنظيم الدولة على وتري الغيرة والنخوة الحساسين، وتمكن من خلالهما جذب أعداد مهولة من الخليجيين وتجنيد أعداد أكبر في الداخل، إذ تحول المنخرطون في سورية والعراق منهم لدعاة لأهلهم وأصدقائهم في الخليج حيث يروون لهم قصصا حقيقية عن مشاهداتهم، ومقدار الظلم الذي يتعرض له السنة، وتبقى هذه الروايات أبلغ أثرا وتأثيرا من كل ما يقدمه الإعلام.

واستطاع تنظيم الدولة توليف هذه العوامل لصالحه لأسباب عدة منها ما يتعلق بهذه الدول الخليجية، ومنها ما يتعلق في سوريا والعراق، ومنها ما يتعلق بالإقليم والمجتمع الدولي. إذ يكاد يغيب دور الشباب في القرار السياسي، وفي إدارة المجتمع، كما يغيب الخطاب الديني المقنع إذ يعجز علماء الدين عن إيجاد بديل لتنظيم الدولة يقنع الشباب المتحمس، فالعراق سلمت للفرس منذ 2003م والسنة يذبحون في سورية منذ خمس سنوات ولا منقذ أو حل بالأفق، بينما أقنع التنظيم منتسبيه من الشباب بمشروع إسلامي متماسك ترخص له المهج.

وصنعت ممارسات النظامين الطائفيين في سورية والعراق أجيالاً من المتطرفين الباحثين ليس عن الهُوية السنية فحسب بل عن الوجود السني، بعد أن أصبح السنة يتعرضون في البلدين لعملتي تطهير وتهجير واضحتين إذ تحول السنة في العراق لأقلية بعد أن كانوا أكثرية.

وما حصل مع الشباب الخليجي لا يختلف كثيرا عمّا حصل مع الشباب السوري، إذ معظم الفصائل المنضوية تحت تنظيم الدولة كانت فصائل ثورية يئست من الهرولة وراء مجتمع دولي أدار ظهره لهم، ومن إقليم عاجز عن رد برميل طائرة عن المستضعفين، ما انعكس سلبا على الخليج نفسه إذ تعلم أدبيات التنظيم هؤلاء وتقنعهم أنّ أنظمة الخليج تأتمر بأوامر الغرب الذي ترك المسلمون السنة يذبحون على يد ملالي طهران.

وقد أثبتت عاصفة الحزم صدق ذلك إذ إنها أقلقت تنظيم الدولة أكثر مما أقلقت إيران، وكان أمام الخليج فرصة ذهبية لتوجيه ضربة قوية للتطرف لو امتدت العاصفة لسورية حيث ستنسف العاصفة حينها مزاعم التنظيم، وستجعل للخطاب الديني آذانا صاغية.

يعيش تنظيم الدولة ويتمدد في دولنا معتمدا على أمراضنا، ولا سبيل لحربه دون تحصين أنفسنا دون معالجة حقيقية لأمراضنا الاجتماعية والسياسية، وأهمها نصرة المظلوم.