مقالات مختارة

أرصفة التطرف وبازارات الاعتدال..!!

1300x600
إذا كان الفراغ الذي خلفته مناهج الثقافة الإسلامية المتواضعة في مدارسنا وجامعاتنا (لك أن تتصور بأن للثقافة الإسلامية مساقا اختياريا واحدا في الجامعات) وجد ما يملؤه، سواء في الحوزات التي يعقدها بعض الوعاظ، أو في الأرصفة التي تزدحم بالكتب الدينية التي يرخص بعضها مسألة التكفير، لا ضد المسلمين البسطاء فقط، وإنما ضد أئمة وفقهاء، لا نشك أبدا في علمهم واجتهاداتهم... فإن دعاة الاعتدال والسماحة والوسطية ظلوا بعيدين عن الجماهير، ومشغولين بإقامة حوارات بينية يتداولونها بينهم، ولا تكاد أصواتها وآثارها تخرج من داخل الصالات المغلقة، أو الندوات والمؤتمرات التي حرم الشباب المتدين من المشاركة فيها أو حضورها على الأقل. 

ليس ذلك فقط، فالمشكلة امتدت إلى تغييب كثير من الدعاة المحسوبين على خط الاعتدال وثقافته، وتحجيم دورهم، مقابل بروز طبقة جديدة من المستفيدين من هذه" الفزعة"، ومعظم هؤلاء للأسف لا يمتلكون أي قاعدة شعبية، ولا يحوزون على ثقة الشباب المتدين، ولا يرون في ترويج ثقافة الاعتدال إلا نوعا من "البضاعة" التي يحتاجها بازار المنافسات المعروفة.. 

ولهذا لم نجد في مقابل تصاعد ثقافة التعصب والتشدد والغلو وحرمان دعاتها الحقيقيين من المنابر والحوارات من يتحمل أعباء الانخراط في مواجهة هذه الظاهرة، أو تفكيكها والرد عليها بعيدا عن الحلول الأمنية ،أو عن الأضواء التي انشغل بها التيار العريض من المتنورين المعتدلين على حساب الإقناع والوصول إلى أرضيات مشتركة تدفع الشباب الذين جرفتهم مقولات التطرف ومبرراته إلى جادة الصواب.. أو الطريق الصحيح. 

والى جانب المناهج والأرصفة المكتظة بأدبيات التكفير والغلو ،وغياب دور العلماء والفقهاء المخلصين أضافت المناخات السياسية، وما حملته من بؤر للتوتر وإشكاليات والتباسات في قضايا المشاركة وحسم الولاء، وغيرها من دعوات الإخراج من الملة الوطنية التي سبقت كل دعوات الإخراج من الملة الدينية أبعادا أخرى للمسألة، فرأينا شبابنا موزعين بين العزوف عن العمل العام وبين الإحباط والجنوح إلى الصمت، وسمعنا بعض الفتاوى الدينية تأتي في سياق مطرد للرد على الفتاوى السياسية، ولم نعدم رصد كثيرين دفعتهم ظروفهم الاقتصادية إلى الانحياز لتيار الناقمين على المجتمع ،المسارعين إلى تكفيره وإباحة الانتقام منه!!. 

باختصار، بمقدورنا أن نحسب نصيب ما نخصصه من وقت وجهد لترشيد ظاهرة التدين في بلادنا، وهي ظاهرة متصاعدة، في كل مناحي حياتنا ومنابرنا التعليمية والإعلامية (عدد ساعات ما تخصصه وسائل الإعلام للبرامج الدينية لا يتجاوز ز 5%من مساحات البث)، لنصل إلى حقيقة ما نتوقعه على صعيد مواجهة ثقافة التطرف، وهي نتيجة مؤسفة.. فما فعلناه لا يمكن أن يجعلنا مطمئنين إلى اندحار هذه الثقافة، كما لا يخولنا محاسبة أبنائنا الشباب على انحرافاتهم، فقد كان من واجبنا -قبل ذلك- أن نحشد طاقاتنا لتطويق المشكلة، ومنع أشواكها من الظهور، وتعهد تربة التدين التي خرج منها هؤلاء الشباب بمزيد من العناية والاهتمام.. وأن نسأل انفسنا عما قدمناه لهم من مناهج وتوجيه سياسي وإعلامي قبل أن نسألهم عما ارتكبوه بحق انفسهم ومجتمعاتهم من جرائم وآثام وانحرافات. 

نعم.. لقد اخطأ هؤلاء الذين اختاروا طريق الغلو والتنطع، ولا يمكن لاحد أن يدافع عن أخطائهم، ولا أن يبررها، مهما كانت أسبابها، ولكننا نتحدث عن آخرين يمكن أن يسيروا وراءهم ويتورطوا في أفكارهم، ولهذا ندعو إلى فهم ما يفكرون به ويعتقدونه، وندعو إلى الاقتراب منهم ومحاورتهم بالتي هي أحسن.. بالكلمة وبالإقناع والدليل، فهم ضحايا قبل أن يكونوا مجرمين، ومن واجب مجتمعنا -بكل أطيافه- أن يأخذ على أيديهم، وأن يمنع جراثيم التطرف والكراهية من تدمير عقولهم ونقل عدواها إلى الآخرين.. تماما كما نفعل مع الذين ابتلوا بالأمراض المعدية القاتلة التي يحتاج المصابون بها إلى الوقاية والحجر.. والشفقة أيضا.



(نقلا عن صحيفة الدستور الأردنية)