قضايا وآراء

نظرية الرصاصة

1300x600

يعد أهم عنصر من عناصر العملية الاتصالية الإعلامية، هو الجمهور المُستهدَف، الذي يستقبل الرسالة الاتصالية، ويتأثر بها، ويتفاعل معها إما بما يتوافق والسياسة التوجيهية السرية التي تريدها إدارة الوسيلة الإعلامية، أو عكس ما تهدف له، وغالباً ما تُخصِّص الوسيلة الإعلامية لجنة لدراسة ميول الجمهور المستهدف، أو لما تريدهم أن يتوجّهوا نحوه، وتشكل رسالتها الإعلامية وفق ما يخدم أهدافها، ووفقاً لنظريات الاتصال، التي تفسر العلاقة ما بين الجمهور والقائم بالاتصال.


تلقفت الصحافة العبرية، نظرية الرصاصة أو الحقنة تحت الجلد، وشكلت مضمون رسائلها على هذا الأساس، وتقول هذه النظرية، إنّ وسائل الإعلام تؤثر تأثيراً مباشراً، وسريعاً في الجمهور، وإن الاستجابة لهذه الرسائل مثل رصاصة البندقية تؤثر بعد انطلاقها مباشرة، واقتنع القائم بالاتصال في الصحافة العبرية، بأن للرسالة الإعلامية دوراً كالرصاصة يؤثر على الأسرى الفلسطينيين، بصفتهم نخبة الشعب الفلسطيني، الذي يوجهه ويقود دفة الثورة، وعملية تغيير قناعاته ستقود بالضرورة لتغيير قناعات الجمهور الفلسطيني بأكمله، ناهيك عن الهدف الأساسي وهو تغيير قناعات الأسرى الفكرية بالحرب،  والتعايش السلميّ بين الطرفين.


يقول الأسير المحرر عبد الحميد القدسي، وهو من أسرى أواخر الستينيات، "قبل السماح بدخول الورق للسجون، كان الاعتماد على صحيفة (أومير) العبرية، التي كان يتم ترجمها وتُقرأ بصوت مرتفع على مسمع كافة الأسرى، من كان غالبيتهم يتقنون العبرية، وبعد السماح بدخول الورق، كان يتم ترجمة الصحف العبرية كاملة كتابةً وتوزع على زنازين الأسرى، ولأن الأسرى في وقتها نخباً ثورية، يملكون حس الوعي فلم يكن هناك أية محظورات على الترجمة، فقد كان يتم ترجمة كل ما في الجريدة العبرية وأيضا الإنجليزية مثل الجاروزلم بوست، ولم يكن خوف على فكر الأسير لأنه كان في بداية الثورة قادراً على التفريق وتحليل هدف العدو من المقال".


مع ارتفاع عدد الأسرى في السجون الصهيونية، وتنوّع ثقافاتهم ومستوى الوعي، بات من الضروري تشكيل هيئة تحرير من الأسرى، تعمل على انتقاء المادة الإعلامية العبرية، وعدم السماح لكافة الأسرى الاطلاع على محتوى الصحيفة الأصلية، بُغيةَ الحفاظ على ذات الأسير من أي تأثيرات صهيونية، تتسلل لذهن القارئ، بحالة الوعي أو اللاوعي، مما تُرسخ لقاعدة فكرية ملوثة لآحقاً، وقد لعبت هيئة تحرير الأسرى في هذا المقام، دور حارس البوابة في العملية الاتصالية، ولا يمكن نشر أي مادة إعلامية إلا بعد موافقتها.


خصصت لترجمة الصحف العبرية في السجون دفاتر خاصة، كانت تقسم لأعمدة وتزيّن وتوزع بشكل دوري ومنظم، على زنازين الأسرى، ولمناقشة مضمونها شُكّلت جلسات نقاش عامة وخاصة، بهدف الاستماع لرأي الأسير المتلقّي للمادة، وقياس مستوى تأثره بالإعلام العبري، ما يقوم مقام رجع الصدى في عملية الاتصال.


مع تقدم السنوات تراجع دور حارس البوابة، وأصبحت الصحف العبرية، بمتناول أيدي كافة الأسرى، وهو الحال حتى اليوم، وذلك بسبب دخول المذياع والتلفاز وتنوّع المواد المسموعة والمرئية، الأمر الذي جعل السيطرة شبه مستحيلة، واقتصرت على جلسات النقاش العام، بهدف خلق حالة وعي وجبهة معاكسة لأهداف العدو الإعلامية، ما دفع الأسير المحرر غازي أبو جياب، الذي واكب فترة السبعينيات ومنتصف الثمانينيات، لترجمة الموسوعة العسكرية للكيان الصهيوني،  لقناعاته أن معرفة العدو من أساسيات التغلب عليه، وعمل على نشرها بين الأسرى ونقاشِها خلال الجلسات، واستطاع أبو جياب مراسلة صحفاً عبرية، وكتابة مقالات عديدة حول الواقع الاعتقالي للأسرى، لرؤيته الخاصة بضرورة زعزعة الصورة الذهنية لدى الجمهور الصهيوني، والتي عمل الإعلام على ترسيخها بهيئة الإرهابي مصاص الدماء في ذهنيتهم الباطنية.


يمكننا القول بأن الأسرى الفلسطينيين، استطاعوا دحض نظرية الرصاصة، وإثبات أن كل محاولات الإعلام الصهيوني، التأثير على ذهنية الأسير، بائت بالفشل، ففي الوقت الذي تقوم فيه هذه النظرية على عدة فرضيات أبرزها، توجيه الرسالة الإعلامية لفئة محددة من الجمهور التي تستخدم وتتفاعل مع الرسالة بشكل متقارب، وضرورة احتواء الرسالة على منبهات ومؤثرات تلعب على عاطفة الجمهور المستهدف، ما يدفع الجمهور للاستجابة السريعة والتناغم مع الهدف، إلا أنّ الأسرى الفلسطينيين، كانوا وما زالوا على وعي بأهداف هذه النظرية، ما دفعهم للتعاطي مع الإعلام العالمي ونشر روايات من وحي ما مروا به على يد السجان الصهيوني، ساهمت بشكل كبير في مقاومة الرواية الصهيونية، والتأثير على الصورة الذهنية للمتلقي.

 

بالمقابل يمكننا القول أن نظرية الرصاصة نجحت بالتأثير على جزء كبير من المتلقيين الصهيانية والأجانب، ورسخت صورة دراكولا الفلسطيني الذي يستهدف الأبرياء الصهاينة وهم في مأمن، الأمر الذي أنتج بعد عقود عديدة حكاماً عرباً وصلوا لمرحلة التطبيع مع الكيان، وحكاماً أجانب يقدّمون كل الدعم، وزَج الفلسطيني دولياً في خانة المتهم، وهذا يدعونا كإعلاميين لتلقف نظرية الرصاصة والبناء عليها، عبر استداف الجمهور العالمي  وإزالة الغشاوة عن عيونه، لتصحيح صورة الفلسطيني في ذهنه، وكشف الستار عن صورة الصهيوني الحقيقية، مما يُكسب القضية الفلسطينية مزيداً من الدعم، ويتحقق ذلك عبر البراعة في اصطياد المادة الإعلامية المدروسة ذات التأثير السحريّ، لا سيّما قوة الصورة التي تختزل المشهد، وتُحاكي كل لغات العالم دون أن تنبس حرفاً واحداً، فكلّنا يتذكر صورة الأسيرة إسراء الجعابيص التي كانت تجلس في قاعدة المحكمة الإسرائيلية، ووجهها محروق بدرجة عالية، ما جلب تعاطفاً دولياً كبيراً نحوها، الأمر الذي يدعونا للسؤال لماذا يبقى تأثير الصورة في الإعلام الفلسطيني، داخل إطار التعاطف، ولا ينتقل لمرحلة التأثير الفعلي؟

 

لا بد هنا من إعادة النظر بأهمية التوأمة ما بين المجال الإعلامي والقانوني، كي نحقق إنجازاً مهماً في ملف الأسرى الفلسطينيين، ونسير نحو تجريم المحتل، ولو كانت الخطى بطيئة.