أخبار ثقافية

الشيخ مصطفى إسماعيل.. أذن مرهفة وحس موسيقي عال

الشيخ مصطفى إسماعيل- ويكيبيديا


إن المتتبع غير المختص لمسيرة الشيخ مصطفى إسماعيل يمكن أن يلاحظ بسهولة بأنه صاحب أذن مرهفة وحس موسيقي عال، وفوق هذا سيلاحظه بشكل كبير المتتبع المتخصص للأجواء النغمية السائدة في عصر الشيخ. هذه العجالة تحاول رصد هذه الحوارية الصامتة بين أداءات الشيخ وبين الأفكار النغمية في سنوات هذا القارئ الفذ.


من المؤسف أن لا نجد تسجيلات للشيخ قبل الأربعينات حيث أن درجات صوته كانت في أكبر اتساع لها حسب الناقد الكبير كمال النجمي، يشفع لنا في ذلك نضوج صوته في المراحل المتقدمة.

في تسجيل مهم يظهر لنا لقاء الشيخ بالموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب، فيه الكثير من الود والتقدير بين العملاقين. يذكر الأستاذ النجمي أن عبد الوهاب لم يكن يدخر جهدا في عدم تفويت أي ليلة يحييها الشيخ في أي سرادق من سرادقات القاهرة مهما كانت انشغالاته، وهو صاحب المشاريع الكبرى والتي تأخذ جل وقته حتى قيل إنه كان يسترق السمع ويحاول أن يختفي عن الأنظار في السرادق. لا بد أنه كان يمني نفسه بجولة نغمية في حدائق المقامات التي خبرها جيدا من جهة، ومن جهة أخرى باستغراق كبير في جو من الروحانيات القرآنية التي يوفرها صوت الشيخ.



يذكر الأستاذ كمال النجمي حادثة أثناء تسجيل الشيخ لإحدى قراءاته في الإذاعة المصرية تصادف وقتها مع تسجيل أغنية من ألحان الأستاذ عبد الوهاب للسيدة أم كلثوم، ولأن السيدة أم كلثوم صاحبة حس مرهف كانت تحس بأن هناك خللا ما في إحدى كوبليهات الأغنية اهتدت لذلك بحسها المرهف، ولم تستطع أن تضع يدها عليه فاستعانت بالشيخ وصحح لها ذلك بكل عفوية. هذه الحادثة تخبرنا أن الشيخ صاحب موهبة عالية في نقد النغم دون أن يدرس ذلك وكان هذا محل تقدير كبير من كبار الموسيقيين في عصره وما بعد ذلك. فبعد سنوات كثيرة يحلل الموسيقار عمار الشريعي موسيقيا في برنامجه الشهير (غواص في بحر النغم) قراءة الشيخ الشهيرة من سورة القمر. ويدرس تحولاته الكبرى المتناسبة وبشكل فطري مع النص القرآني العظيم.

 


ثم يأتي من بعد ذلك الأستاذ نصير شمة ليصف سماع ألف تسجيل للشيخ بما يعادل سماع ألف كونشرتو مختلف ومتميز يتجول من خلالها الشيخ عبر أكثر من مائة وخمسين مقاما.

تسجيلات الشيخ في الخمسينات وفي داخل مصر يغلب عليها هيمنة المقامات الشرقية البحتة مثل الراست والحجاز والبيات، مع تطعيمات خفيفة للنهاوند والعجم، ويفتتح بالغالب بالبيات حتى يستقر دوزان صوته في أول نصف ساعة ثم تتجلى إبداعاته في النصف الثاني. سماع الشيخ يحتاج لصبر وتدبر وإحصاء للأنفاس كما أنه يحتاج للاستماع لرهافة السميعة من حوله، أما تسجيلاته خارج مصر وخاصة في بلاد الشام فيغلب عليها بعد البيات النهاوند والعجم.

ربما يكون ذلك ملاحظات عرضية من سميع محب للشيخ وربما يحتاج ذلك لدراسات حقيقية تكشف لنا هذا الزعم.

 

اقرأ أيضا: الشيخ مصطفى إسماعيل.. حسن الوقف والابتداء (شاهد)

فهل كان مزاج المصريين في تلك الحقبة تسيطر عليها ألحان السنباطي ذات الطابع الشرقي الصوفي البحت؟ وهل كانت أمزجة الشاميين في تلك الحقبة تركن إلى الألحان الخفيفة القصيرة النفس والمنفتحة على رياح الغرب التي تشترك فيه نغمات النهاوند والعجم؟ كل تلك افتراضات تحتاج لبحث وتمحيص لكن الأكيد أن الشيخ بالإضافة إلى موهبته العظيمة كان صاحب فراسة وفطنة خاصة باستقراء أمزجة السميعة مهما كانت مشاربهم، فراسة لا تستجر عاطفتهم وإنما تخضعهم لهيمنة إحساسه العالي، فتراه يرمي لهم السلالم للصعود لعرش القراءة والإحساس بالكون وبدائع القرآن كما فهمه ووعاه.

يحصي الأستاذ عاطف الإبن البكر للشيخ أربعا وخمسين ألف ساعة قراءة للشيخ للأسف لم يصلنا منها سوى ألف ساعة فقط بحسب الأستاذ. ومن أهم من جمع تراث الشيخ الأستاذ أحمد مصطفى كامل مشكورا وله قناة على اليوتيوب تهتم بتراث الشيخ.

يتحدث البعض بفقر صوت الشيخ للإبداع بمنطقة القرار غير أن سماعنا لقراءته الشهيرة لسورة التحريم لها تجعلنا نقرر بكل ثقة أن إبداعه في منطقة القرار لا يقل أبدا عن إبداعه في الجواب، وجواب الجواب منطقة القرار. استمعوا له في هذا التسجيل وكأنه يرد عن نفسه التهمة ويتحفنا بجولات مرهفة في تلك الحدائق البهيجة لصوته البديع.

 


رحمه الله

.. وللحديث بقية