مقالات مختارة

«النموذج الأمريكي».. هل بدأ في التصدع؟

1300x600

لقد ضاعت فكرة أمريكا التي تبناها معظم الأمريكيين – فكرة ديمقراطية ناجحة ومسؤولة ومتجاوبة مع مواطنيها الذين يحق لهم التصويت وتعتبر أصواتهم متساوية. بل إنها ربما لم توجد أبدا بتلك الطريقة. والاتجاهات في المجتمع هي الآن نحو الأسوأ وليس نحو الأحسن.

والواقع أن مؤسسي هذا البلد لم يكن في نيتهم أبدا أن يصوّت الجميع، ولم يقوموا حتى بالتنصيص على الحق في التصويت في الدستور. وبدلا من ذلك، تركوا مسألة التصويت للولايات، التي نصبت حواجزها الخاصة بها أمام حق التصويت. وهكذا، كان الحق في التصويت يتوسع ويتقلص مع الوقت.
في البداية، وبشكل عام، كان الرجال البيض ملاك الأراضي الأشخاصَ الوحيدين الذين يسمح لهم بالتصويت. هذا الحق توسع مع مرور الوقت ليشمل كل الرجال البيض والرجال السود والنساء. غير أنه بقيت هناك جهود لتقييد الوصول إلى مكاتب التصويت، وخاصة بالنسبة للأشخاص السود والبنيين في هذا البلد.

كثرة القيود الجديدة هذه يبدو أن سببها كان انتخاب باراك أوباما، أول رئيس من أصل أفريقي في أمريكا. فمثلما يشير إلى ذلك «مركز برينان للعدالة»، فإنه «بعد انتخابات 2010، بدأ مشرّعو الولايات على الصعيد الأمريكي إدخال المئات من التدابير القاسية التي تجعل التصويت أكثر صعوبة».
ومثلما وثّق المركز، «بشكل عام، وضعت 25 ولاية قيدا جديدا منذ ذلك الحين – 15 ولاية لديها الآن قوانين مقيِّدة أكثر تتعلق بهوية الناخبين (من بينها ست ولايات ذات شروط جد صارمة بشأن صورة الهوية)، و12 ولاية لديها قوانين تجعل من الصعب أكثر على المواطنين التسجيل (والبقاء مسجلين)، و10 ولايات جعلت التصويت المبكر أو الاقتراع الغيابي أكثر صعوبة، و3 ولايات اتخذت إجراءات تزيد من صعوبة استرجاع الأشخاص الذين لديهم إدانات قضائية بسبب جرائم سابقة لحقهم في التصويت».

والواقع إن فكرة «شخص واحد، صوت واحد»، لم تطبّق في الولايات المتحدة بشكل كلي إلا في الستينيات، عندما كتب القاضي «أورل وارن» في الحكم الصادر في قضية «رؤينولدز ضد سيمز» في 1964: إن فكرة المساواة السياسية من «إعلان الاستقلال»، إلى خطاب «لينكولن في جيتيسبورج»، إلى التعديلات الخامس عشر، والسابع عشر، والتاسع عشر من الدستور لا يمكن أن تعني سوى شيء واحد: شخص واحد، صوت واحد.

وعلاوة على ذلك، فإن الأموال الكبيرة من الشركات والمرشحين أنفسهم تُفسد العملية وتمارس تأثيرا كبيرا جدا على اختيارات الناخبين.

ففي حملة 1960 الانتخابية، تعرض «جون كينيدي» لانتقادات شديدة بسبب إنفاقه ما وصفه منافسه «هوبرت هامفري» بأنه مبلغ غير مقبول على حملة سياسية. «هامفري» وصف حملة كينيدي بأنها «الأعلى تمويلا»، والأكثر فخامة، والأكثر إسرافا في تاريخ السياسة في الولايات المتحدة. وكان كينيدي قد أنفق وقتئذ 72 ألف دولار (نحو 575 ألف دولار، بقيمة اليوم) على الإذاعة والتلفزيون والبريد في ويسكونسون.

ولكن كينيدي دافع عن نفسه بالقول إن «حملة الرئيس ايزنهاور في 1952، عندما كانت الكلفة أقل، بلغت مليونين و500 ألف دولار». أي ما يعادل نحو 20 مليون دولار بقيمة اليوم.

الآن، لنقارن ذلك بقرابة المليار دولار التي جمعه دونالد ترامب في 2016 وقرابة الـ1.5 مليار دولار التي جمعتها هيلاري كلينتون.

وعلاوة على ذلك، شهد الإنفاق الخارجي -- الإنفاق السياسي من قبل منظمات خارجية، عدا اللجان الحزبية -- ارتفاعا صاروخيا خلال العقدين الماضيين. فوفق موقع OpenSecrets.org، فإن الإنفاق الخارجي قلما تجاوز حاجز المليون دولار خلال الفترة ما بين 1990 و2002. ولكنه في 2016 بلغ 178 مليون دولار.

هذا ناهيك عن كيف كشفت حملة التأثير السياسي الروسية مدى هشاشة الأفراد الأمريكيين وإمكانية تعرضهم للتلاعب من خلال المعلومات المغلوطة.

لقد أصبحت عمليتنا الانتخابية سيئة بسياسيين يسعون لمنع البعض من الوصول إلى مكاتب التصويت، وأثرياء يسعون لخداع من يصوتون وتضليلهم. والآن، ومع مساعي عزل ترامب، بدأنا نرى أن بنية الحكومة أخذت تظهر عليها أيضا مؤشرات التكسر.

والواقع أنه منذ إفراج البيت الأبيض عن نص المكالمة الهاتفية بين ترامب والرئيس الأوكراني، لم يكن هناك شك في أن ترامب انخرط في عملية فاسدة عندما حاول الضغط على الأوكرانيين حتى يعلنوا عن فتح تحقيق مع جو بايدن وابنه. وهذا الشهر، وجد «مكتب المحاسبة الحكومي» أن ترامب خرق القانون بالفعل عندما قطع المساعدات المالية عن أوكرانيا في إطار حملة الضغط التي كان يقوم بها.

والآن، يستعد «جمهوريو» مجلس الشيوخ للتأسيس لسابقة، عبر الحكم ببراءته، سابقة أن الرئيس الذي يحسب نفسه ملكا، ويعتبر نفسه فوق القانون. لكن الحكم بالبراءة سيقول للعالم، دون أدنى شك، إن نظام فصل السلطات ومراقبة بعضها لبعض الذي نص عليه الدستور يعاني من عيوب قاتلة وغير صالح، وأنه عرضة للتعصب الحزبي، وبالتالي، غير قابل للتطبيق وعديم القيمة.

وبذلك، سيقول مجلس «الشيوخ» لأمريكا إن الفساد خاصية مقبولة في الجهاز التنفيذي. كما سيمثّل ذلك ضربة مدمِّرة أخرى لثقة الناخبين وللثقة في الحكومة.

لقد كُسر كل شيء، مِن مَن يستطيع التصويت، وكيف يصوّت، ومن يؤثر في ذاك التصويت، ومن يُنتخب في ذاك التصويت، ومن يخضعون للمحاسبة بعد أن يتم التصويت عليه.

وخلاصة القول إن مصطلح «الأمريكي» كفكرة، وكديمقراطية تمثيلية ذات سلطة مستمدة في نهاية المطاف من الشعب وخاضعة للمحاسبة من قبل الشعب، أخذت تتبدد وتختفي كالبخار.

(الاتحاد الإماراتية)