كتاب عربي 21

الضفدع منتصرا على الشامتين

1300x600

هي حكاية شعبية معروفة لدى جميع الناطقين باللغات الحية، وبطلها ضفدع قرر الاشتراك في مسابقة لبني جنسه لصعود بناية ذات ثلاثين طبقة، قفزا فوق جدارها الخارجي الأملس: وقفت نحو ثلاثمائة من الضفادع في صف مستقيم في واجهة البناية، محاطة بجمهور عظيم بدأ في إطلاق صافرات الاستهجان والاستخفاف حتى قبل انطلاق إشارة البدء في السباق..

الضفدع الأطرش

ثم دوى مسدس معلنا بداية السباق، وعلى التو سقط نصف الضفادع على ظهورهم من الجزع، وارتفعت الضحكات من حناجر المشاهدين، ولكن نحو مائتي ضفدع تقافزوا على الجدار، وتوالى سقوط العشرات وتتالي الضحكات، ونجحت ضفادع قليلة في الارتقاء على الجدار إلى ما فوق المتر بقليل، ولكنها، وبدورها سرعان ما هوت أرضا، وبقي ضفدع واحد يواصل الصعود والصمود، والجماهير تصيح فيه: احترم نفسك ولا تشطح وتنطح فوق طاقتك تفاديا للسقوط من ارتفاع شاهق .


وكلما تعالت صيحات الاستنكار والاستخفاف خطا الضفدع العنيد خطوات إلى أعلى البناية، ورغم أنه قطع نصف المسافة المحددة، إلا أنه لم يظفر بكلمة تشجيع واحدة، بل تعالت الأصوات مجددا مشككة في أنه أصلا فأر أو ضب يتنكر في إهاب ضفدع، وهناك من اتهمه بأنه يضع مادة لاصقة خفيفة على أطرافه تساعده على الالتصاق بالجدار ثم الانعتاق منه قفزا إلى الأعلى.

 

من يريد النجاح يعتمد على القوة الداخلية الكامنة فيه والعزيمة وقوة الإرادة، ولا ينبغي أن تفُتَّ من عضده عبارات الاستهجان والاستخفاف


كل ذلك والضفدع يرتقي الجدار إلى أعلى في تؤدة وتمهل حتى وصل إلى قمة البناية، وعندها دوى التصفيق، وانزلق الضفدع إلى أسفل البناية في سهولة بالغة، وما أن وصل إلى الأرض حتى حاصرته كاميرات الصحفيين وانهالت عليه الأسئلة ليفسر سر نجاحه في تحدي القوانين الطبيعية، ولكن الضفدع تجاهل تلك الأسئلة وقفز إلى بركة قريبة وغاص في مائها.

وبعدها بساعات كانت محطات التلفزة والصحف تتحدث عن الضفدع المغرور الذي فاز في السباق بوسائل مشبوهة، ثم رفض التحدث مع الإعلاميين، وما لم يكن يعرفه أي من الذين شهدوا السباق، هو أن الضفدع الفائز كان "أطرشا" لا يسمع، وكان فقدانه لحاسة السمع هو سر نجاحه في الصعود إلى "القمة"، فلو كان يسمع، لكانت صيحات الشامتين وضحكاتهم وكلماتهم الاستفزازية قد أصابته بالإحباط وأدى ذلك إلى أن "يحبط" مجهوده وعزيمته فيخرج من السباق بالخسران.

جمهور كرة القدم في جميع الدول شديد التعصب لهذا النادي الكروي أو ذاك، وفي كل ناد هناك لاعب أو أكثر يصل عشق الجمهور له درجة "صوفية"، ولكن إذا أضاع لاعب معشوق عدة أهداف مضمونة في كذا مباراة متتالية، قوبل كلما نزل الملعب بعبارات وصافرات الاستهجان، فيصاب بالشلل الرعاش كلما اقتربت منه الكرة، ومضى بعدها من فشل إلى آخر، ولهذا انتهت مسيرات لاعبين وصفوا يوما ما بأنهم عظام، بأن تحولوا إلى عظام نخرة متهالكة، وكُتب لهم سوء الخاتمة.

والدرس المستفاد من الضفدع الأطرش هو أن من يريد النجاح يعتمد على القوة الداخلية الكامنة فيه والعزيمة وقوة الإرادة، ولا ينبغي أن تفُتَّ من عضده عبارات الاستهجان والاستخفاف، غاليليو واجه الحبس والتعذيب ـ وليس فقط الاستهجان ـ من قبل الكنيسة الكاثوليكية ليتراجع عن تأييد ما توصل إليه كوبيرنيكَس عن كروية الأرض ودورانها حول الشمس، ووصموه بالكفر، وقالوا إن الشيطان يتلبّسه، وهددوه بالطرد من "المِلّة"، وعندما جعلوه رهن الإقامة الجبرية في البيت صاح في جلاديه: ولكن الأرض تدور؛ وها هي ما زالت تدور.

كن أطرشا يا شعب فلسطين

وخلال السنوات الأخيرة بدأت بعض الدول العربية في التنصل من أي التزام تجاه القضية الفلسطينية، بل وبدأت بعض وسائل الإعلام العربية الرسمية تقول صراحة إنها قضية خاسرة، وتحث الفلسطينيين على القبول بكانتونات وتناتيف أراض هنا وهناك على حواف فلسطين التاريخية، من منطلق "أنكم وحدكم الآن في الساحة بلا سند"، ثم أوعز بعض القادة العرب لولي أمرهم دونالد ترامب كي يجود على الفلسطينيين بطبخة ما، فكانت الصفقة الصفيقة الداعية لقبول الأمر الواقع على الأرض في الضفة الغربية، وقيام شبه دولة فيما خلا من أراضيها من المستوطنات اليهودية، و"إلا ذنبكم على جنوبكم".

 

خلال السنوات الأخيرة بدأت بعض الدول العربية في التنصل من أي التزام تجاه القضية الفلسطينية، بل وبدأت بعض وسائل الإعلام العربية الرسمية تقول صراحة إنها قضية خاسرة


ويقيني هو أن الشعب الفلسطيني وفيما يخص قضيته يقتدي بالضفدع الأطرش، كما اقتدى به من قبل ـ ولعل الضفدع هو الذي اقتدى به ـ وشن الكفاح المسلح في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، رغم كل ما قيل عن أنها فرفرة مذبوح، ثم اتبعها بانتفاضتين باسلتين أرغمتا الإسرائيليين على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وعلى طرح تنازلات لم تحسن القيادة الفلسطينية وقتها البناء عليها، لتنجز الدولة المرتجاة، وانتهى بها الأمر وهي تقبل باتفاق أوسلو الشائه، وترضى من الغنيمة بألقاب وظيفية من جنس "ألقاب مملكة في غير موضعها".

كن أطرشا يا شعب فلسطين فما حك جلدك غير ظفرك، فقد عادت أبواق الحكومات الخانعة الخرِعة، تردد مواويل: بعتم أرضكم لليهود في 1948، وبهذا دعوتموهم لاحتلال بلدكم / لن تحققوا كسبا بعد الآن وها هو ترامب يجود بالموجود فاقبلوا بما قدمه لكم / ظهركم مكشوف فلا تكابروا والصفقة الترامبية من قبيل شيء خير من لا شيء.

ويقيني أن شعب فلسطين القابض على جمر القضية سيسد ـ إزاء هذه المواويل الهابطة ـ الأذن اليمنى بالطين واليسرى بالعجين، وسيبتكر وسائل نضالية تجعل الرأي العام العالمي الحر يناصر قضيته دون الحاجة إلى المتهافتين على أعتاب البيت الأبيض والكنيست.