كتاب عربي 21

واعثماناه!

1300x600

عادت تركيا الأردوغانية إلى ليبيا بعد نحو مائة عام من مغادرة تركيا العثمانية، عادت تحت عباءة اتفاقية رسمية بين حكومة أردوغان وحكومة الوفاق الليبية الشرعية المعترف بها من الأمم المتحدة، شمس عثمان غابت عن بلاد العرب باتفاقية إذعان، بعد أن هزم الغرب ومن تواطأ معه من العرب امبراطورية آل عثمان، على وعد وأمل كاذبين بأن يمنح المنتصر العرب مملكة عربية، فيما كان سايكس البريطاني وبيكو الفرنسي يقطعان "الكعكة" لتقاسمها بينهما، ومن يومها صرنا ندرس في كتب التاريخ أن العرب تحرروا من "الاستعمار التركي"، وتلك كذبة سخيفة سرعان ما انكشف زيفها مع الساعات الأولى من وعي أبناء جيلي، إذ كيف يكون مستعمرا من يفتح لك جيشه لتتطوع تحت لوائه، ويعاملك معاملة أبناء قوميته، ويحمل نفس الجنسية التي تحملها؟

 

لم تكن دولة استعمارية

حسب التعريف المتفق عليه دوليا، الاستعمار ظاهرةٌ تهدف إلى سيطرة دولة قوية على دولة ضعيفة وبسط نفوذها من أجل استغلال خيراتها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي بالتالي، نهب وسلب معظم ثروات البلاد المستعمرة، فضلاً عن تحطيم كرامة شعوب تلك البلاد، وتدمير تراثها الحضاري والثقافي، وفرض ثقافة الاستعمار باعتبارها الوحيدة القادرة على نقل البلاد المستعمرة إلى مرحلة الحضارة. 

الاستعمار بتعبير آخر إخضاع جماعةٍ من الناس لحكم أجنبي، ويسمى سكان البلاد المستعمَرين، وتسمى الأراضي الواقعة تحت الاحتلال البلاد المستعمرة. ومعظم المستعمرات مفصولةٌ عن الدولة المستعمِرة (بكسر الميم الثانية) ببحار ومحيطات. وغالباً ما ترسل الدولة الأجنبية سكاناً للعيش في المستعمرات، وحكمها واستغلالها مصادر للثروة. وهذا ما يجعل حكام المستعمرات منفصلين عرقياً عن المحكومين.

وتاريخياً، وبالمعنى الاصطلاحي، هو مصطلح يشير إلى ظاهرة سياسية اجتماعية وثقافية، تشمل إقامة مستوطناتٍ أوروبية خارج أوروبا منذ القرن الخامس عشر، واستيلاء الدول الأوروبية، سياسياً واقتصادياً على مناطق واسعة في جميع القارات الأخرى، بما في ذلك إخضاع الشعوب القاطنة فيها لحكم الدول الأوروبية، واستغلال كنوزها الطبيعية وعمل السكان المحليين لصالح الدول الأوروبية، وبهذا المعنى لم تكن الدولة العثمانية استعماراً على أي حال، وكما كان لها مساوئ كان لها إنجازات، وقد ذهبت بهذا كله، وحينما يدور الحديث عن "العثمانية الجديدة"، وإحياء المشروع التركي الجديد، يستدعي بعضهم مساوئ الأتراك فقط، ويترك محاسنهم، وينسى من يؤيد هؤلاء أو يعارضهم أن التاريخ لا يعيد نفسه، فـ "الخلافة" العثمانية ذهبت إلى غير رجعة، لكن خوف بعضهم يتركّز على العام 2023، وهو العام الذي تتحلل فيه الجمهورية التركية من كل التزاماتها العلنية والسرية، الواردة في صكوك هزيمة "دولة الخلافة العثمانية" التي وقعتها مع المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، ويبدو أن تركيا الحديثة سائرة إلى هذا المسار.

 

سياسة أردوغان


بعد قمة بمناسبة الاحتفال بالذكرى السبعين لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، كانت لدى الرئيس التركي الطيب أردوغان رسالة واضحة عن تصميم أنقرة على أن يُنظر إليها كقوة عالمية تتمتع بالحكم الذاتي. وأواخر العام الماضي، قال أردوغان لأعضاء الجالية التركية في لندن: "اليوم، يمكن أن تبدأ تركيا عملية لحماية أمنها القومي دون طلب إذن من أي شخص".

ووفق تقديرات مراسلين أجانب في أنقرة، فإن تصريحات أردوغان تعكس السياسة الخارجية أحادية الجانب، التي يتبعها خلال السنوات الأخيرة، وترجمت أنقرة رؤيتها بتحدي حلفائها الغربيين بإرسال قوات إلى شمال شرق سوريا ضد إرادة الناتو في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.

 

يبدو أن كل تلك التحركات الأردوغانية تتسق مع خطابه السياسي، الذي بدا أكثر وضوحا من ذي قبل، بالنسبة لتوجهاته الهادفة لإعادة مجد تركيا في المنطقة،


وبعد شهرين، تعهد أردوغان بنشر جنود في ليبيا حتى عندما دعت الأمم المتحدة العالم إلى احترام حظر الأسلحة!

نهج أردوغان الجديد لصالح العمل العسكري المباشر ظهر بعد أن أدى الانقلاب الفاشل ضد أردوغان في عام 2016 إلى إضعاف الحكم الذاتي للجيش، ومكّن الرئيس التركي –وفق محللين- من تعزيز سلطته.  ومنذ ذلك الحين، نفذت تركيا 3 عمليات توغل عسكرية منفصلة في شمال سوريا، بما في ذلك هجوم أكتوبر/تشرين الأول على القوات الكردية التي ساعدت الولايات المتحدة في حرب تنظيم داعش. كما انحازت أنقرة إلى قطر إبان الخلاف مع الرباعي العربي وحرب المقاطعة، وأرسلت سفناً حربية لمنع شركات أوروبية وإسرائيلية من التنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط؛ وكذلك سعي أردوغان الذي خلال زيارة إلى الجزائر وجامبيا والسنغال إلى توسيع نطاق وجود تركيا في أفريقيا!

ويبدو أن كل تلك التحركات الأردوغانية تتسق مع خطابه السياسي، الذي بدا أكثر وضوحا من ذي قبل، بالنسبة لتوجهاته الهادفة لإعادة مجد تركيا في المنطقة، حينما كانت السلطة الوحيدة الحاكمة لها، واليوم مع إطلاق خطة ترامب ونتنياهو فيما سمي صفقة القرن، رفضت تركيا الخطة، كما رفضها غيرها من عرب وعجم، لكن رفض تركيا له بعد آخر، فهي تكاد الوحيدة إضافة إلى الأردن من يدافع عن القدس، وعروبتها وإسلاميتها، ولا يملك المواطن العربي والفلسطيني على وجه الخصوص إلا التطلع لتركيا (وبدرجة اقل إيران) استدراجا للغوث مما تواجهه فلسطين، فهي تكاد تكون الدولة الوحيدة التي تملك الشوكة للانتصار لفلسطين، والعودة إليها(!) لتحريرها وإعادتها للحكم "العثماني" ولو بالمعنى المجازي.

ولئن كان المحتلون لفلسطين يتكئون على كذبة وجودهم في الأرض المقدسة قبل ما يقارب الألفي عام فمن باب أولى أن لا تستغرب شوق آل عثمان الجدد للعودة إلى القدس التي كانوا فيها قبل نحو مائة عام!