قضايا وآراء

هل اقتربت نهاية الملالي حقا؟

1300x600
على مدى الأيام الماضية ومنذ قتل قاسم سليماني واشتعال العلاقة بين أمريكا وإيران، تتداول العديد من الأخبار والتسريبات من الداخل الإيراني عن الأوضاع الداخلية وحجم الغضب الشعبي تجاه نظام الملالي القائم، بسبب الفشل الذريع في التعامل مع الولايات المتحدة، وذلك بعد رفع درجة التوتر بسبب عملية سليماني. فكما يقول بعض الإيرانيين فإنه قد مات منهم في جنازة سليماني أكثر ممن ماتوا في العملية نفسها نتيجة حشد النظام للجماهير دون تنظيم ضروري لمثل تلك الأحداث، هذا بالإضافة إلى مقتل ما يزيد عن 170 شخصا أغلبهم من الإيرانيين كانوا على متن الطائرة الأوكرانية التي أنكرت إيران في البداية مسؤوليتها عن سقوطها، بل إن أحد المسؤولين قد كذب بشكل فاضح عند نفيه للحدث، ثم كان خروج ترامب وترودو وجونسون للتأكيد على مسؤولية إيران عن سقوط الطائرة فيما كانت ما تزال إيران تؤكد أن السقوط تم بسبب عطب فني أكبر الأثر على تحريك الشعب الإيراني، حيث اظهر لهم مدى الخداع الذي تتعامل به حكومتهم.

ولكن بعيدا عما يثار أمام الكاميرات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، أتوقف أمام ثلاثة مؤشرات أعتقد أنها مهمة وقد تساعد في الإجابة على التساؤل المطروح؛ أولها ما صرح به وزير الخارجية جواد ظريف قبل قتل سليماني بأيام تجاه المرشد خامنئي، وأن سياساته الخاطئة هي السبب الرئيس في ضعف وتراجع نفوذ إيران في المنطقة، وكذلك موقف فيلق القدس بقيادة قاسم سليماني وقتها في أحداث العراق ولبنان وحراكهما الشعبي. بالطبع لم يكن ذلك تصريحا معلنا، ولكنه تسريب عن اجتماع لظريف في وزارة الخارجية الإيرانية. العلامة والمؤشر الثاني بعد الحدث وأيضا من جواد ظريف عندما سبق وأعلن أن الرد الضعيف الذي قامت به إيران بعد قتل سليماني، ولم تكن له ثمار تذكر مقارنة بما كانت أعلنت عنه القيادة الإيرانية بعد قتل سليماني. ومع ذلك أعلن ظريف (قبل باقي المسؤولين سواء من الجيش أو الحرس أو حتى من مكتب المرشد) أن الرد انتهى. أما المؤشر الثالث فهو التصريح الذي صرح به مهدي كروبي (وهو أحد رجال الدين المعارضين ومن المحسوبين على الاتجاه الإصلاحي) بشكل علني في مواجهة خامنئي بأنه السبب في الفشل التي تعيشه إيران، وقال (كما ورد في بعض المواقع الإيرانية وهو يوجه تساؤله للمرشد الأعلى): هل كنت على علم بهذه الحادثة (يقصد سقوط الطائرة الأوكرانية) منذ يومها الأول أم بعد؟ وفي الحالتين فإنك من سمحت للمسؤولين الأمنيين والإعلاميين بخداع الشعب. وهذا يعتبر نقله نوعيه في إدارة الصراع الداخلي في إيران.

وقد تكون هناك مؤشرات غيرها، مثل استقالة عدد من العاملين في التلفزيون الإيراني احتجاجا على الكذب والإنكار الذي أجبروا على الترويج له في قضية الطائرة الأوكرانية، وكذلك تعليق الرئيس روحاني واعتراضه على عدم حصول المرشحين من الإصلاحيين على موافقة من مجلس صيانة الدستور، بالإضافة إلى استمرار المظاهرات في الشوارع في العديد من المدن في طهران وغيرها.

وقد تناولت العديد من التعليقات هذا التغير في إدارة الصراع الداخلي الإيراني ومواجهة المرشد الأعلى مباشرة، وتوجيه اللوم إليه، سواء كان من داخل النظام أو من رجال الدين أو من المواطنين الإيرانيين والتحول في توجيه اللوم والهجوم الذي كان من قبل يوجه إلى مستويات أقل، ولكن كان المرشد الأعلى منذ بداية الثورة الإيرانية في عام 1979 خطا أحمر لا يمكن توجيه اللوم إليه أو تحميله أي خطأ. وهذا كان التقليد المتبع منذ أول مرشد وهو آية الله الخميني، بل إنه مع بداية الثورة وبداية الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 والتي استمرت ما يزيد عن ثماني سنوات متصلة، كان الخميني هو الذي أصر على استمرار الحرب ولم يستمع إلى رأي أي من الذين حوله، مع حجم الخسائر الكبيرة التي تحملها الشعب الإيراني نتيجة هذا الإصرار، فلم يستطع أحد أن ينتقد قائد الثورة أو المرشد الأعلى وقتها.

صاحب ذلك ضغوط خارجية، سواء من جانب الولايات المتحدة أو من الجانب الأوروبي المشارك في الاتفاق النووي، وبدأت تعلو النبرات التي تردد وقوف أمريكا وأوروبا مع الشعب الإيراني ولكن ضد النظام، فازدادت تغريدات ترامب بهذا الشأن ودعمه للحراك في الشارع الإيراني في مواجهة نظام الملالي القائم، وكذلك البيان الذي أصدرته كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا تجاه إيران بخصوص عدم التزامها ببنود الاتفاق النووي، وتفعيل مادة حل المنازعات التي يمكن أن تصل لمجلس الأمن في مدى ثلاثين يوما وبالتالي فرض العقوبات مرة أخرى، مما يُزيد الخناق على إيران والشعب الإيراني. وهنا نرى حركة قطر وزيارة وزير خارجيتها محمد عبد الرحمن إلى إيران في اليوم التالي لمقتل سليماني، ثم زيارة الشيخ تميم لإيران منذ عدة أيام. وكان المعلن بخصوص الزيارتين هو محاولة خفض التوتر وتهدئة الأوضاع. ولكن هل حركة قطر موجهه من الجانب الأمريكي أم لا؟ أم أن الزيارتين لتقديم الاعتذار عما تسرب بخصوص أن الطائرة المسيرة التي قتلت سليماني قد تم توجيهها من القاعدة الأمريكية في الدوحة، وخصوصا أنه ليس من سبيل أمام الدوحة إلا إيران في ظل الحصار الخليجي لها؟

وإذا عدنا للسؤال المطروح (هل يعيش النظام الإيراني مراحله الأخيرة وللإجابة عليه بشكل متأن وغير متأثر بالفعل وبرد الفعل)، علينا الخروج من الدائرة الضيقة التي ننظر منها، وهي الداخل الإيراني، وأن ننظر أبعد قليلا، وأن نبحث ماذا قدم نظام الملالي في إيران على مدى الأربعين عاما الماضية.

وإذا عدنا إلى نهاية السبعينيات، عندما طلب شاه إيران من صدام حسين طرد الخميني من منفاه في مدينة النجف بسبب دوره المتزايد في تثوير الشعب الإيراني تجاه الشاه، وخصوصا مع انتشار نظرية ولاية الفقيه حتى يعود الولي الحجة أو الإمام المنتظر، تمت مغادرة الخميني بالفعل إلى تركيا مؤقتا، ومنها إلى فرنسا، ومن هناك كانت أشرطة الكاسيت التي كان يرسلها ذات تأثير كبير وعملت على تحريك الشارع الإيراني، ونزل الشعب الإيراني بكثافة حتى أن الشاه قام بقيادة إحدى الطائرات وقام بقذف المظاهرات عندما رفضت قواته الجوية القيام بهذا الدور، وقيل وقتها إن الولايات المتحدة هي التي طلبت من الجنرالات الإيرانيين ذلك، قبل أن يعود الخميني في شباط/ فبراير عام 79 إلى إيران على طائرة إير فرانس وتم تأسيس ما اطلق عليها بالجمهورية الإسلامية على المذهب الاثنى عشري.

في نفس العام تقريبا كان الغزو السوفييتي لأفغانستان. وفي نفس الوقت قامت الولايات المتحدة وأذرعها، مثل السعودية وغيرها، بدعم ما أطلق عليه بحركة المجاهدين الأفغان بالسلاح ودعمت التوجه السلفي المتشدد وتأسيس ما سمي بتنظيم القاعدة. ونذكر أنه في نفس العام وقعت مصر اتفاقية كامب ديفيد، وبدأت إسرائيل طريقها إلى داخل العالم العربي.

وعلى مدى الأربعين عاما الماضية نجد زيادة البعد الطائفي في التعامل بين المسلمين لم يكن موجودا من قبل، فهذا شيعي وهذا سني حتى داخل الدولة الواحدة (العراق مثالا). وكذلك تنامي التشدد السلفي في مواجهة التشيع وما أطلق عليه بالسلفية الجهادية وبعد سقوط القاعدة ظهرت داعش والبقية في الطريق.

تنامى التغلغل الصهيوني حتى وصل إلى السعودية والخليج، وما أثير منذ أيام قليلة عن وساطة معلنة بين إسرائيل ومحمد بن زايد عن طريق رئيس وزراء إثيوبيا، علما بأنهما تقابلا أكثر من مرة، ولكن بشكل سري، منذ سقوط وانهيار النظام العربي وتعدد الصراعات داخله، سواء في ليبيا أو في سوريا أو في اليمن، ومن يدري أين تكون غدا؟ وبالتالي فإن نظام الملالي قام بدور في ما وصلت إليه الأمة الإسلامية الآن من تشرذم وتقسيم، وهذا ما تهدف إليه الدول الغربية بزعامة أمريكا أو ما يمكن أن يطلق عليه بأصحاب المشروع المضاد. ولكن هذا لا يعني مطلقا، وكما قلت سابقا، أن هناك اتفاقا بين الملالي وأمريكا، ولكنها مصالح بين الأطراف المختلفة والنجاح هو للذي يستطيع أن يحقق مصلحته وأهدافه ويقوم بتوظيف إمكانياته التي يعرفها بالطريقة المثلى. وفي اعتقادي أن نظام الملالي ما زالت له هناك مصالح يمكن أن يحققها ويستفيد منها أصحاب المشروع المضاد.

وفي الختام، أود أن أؤكد مرة أخرى أنه ليس كل من يقوم بدور على ساحة ما بالضرورة يعرف أنه يمثل، فمن الممكن أنه يقوم بدور معين ولتحقيق هدف محدد دون أن يدري، ولكن لبراعة المخرج ومعد السيناريو وكاتب الحوار يعتقد المشاهد عند العرض أن الجميع ممثلون.

والله المستعان، وهو من وراء القصد وهو يهدي السبيل.