قضايا وآراء

العراقيّون وترامب و"وقت الحرّيّة"

1300x600
"لملايين المواطنين العراقيّين الذين يرغبون في الحرّيّة، ولا يريدون الهيمنة والسيطرة عليهم من قبل إيران: هذا هو وقتكم"!

بهذه الكلمات خاطب الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب العراقيّين في الساعات الأخيرة من العام 2019 عبر موقع تويتر، فما هي غايات هذه التغريدة الانقلابيّة التي وجّهت للعراقيّين؟

التغريدة جاءت بعد ساعات من اقتحام عناصر الحشد الشعبيّ المنطقة الخضراء، ومحاولتهم لدخول السفارة الأمريكيّة المحصّنة، أيضاً بعد 24 ساعة من هجوم أمريكيّ على معسكرات لـ"حزب الله العراقيّ" في العراق وسوريا خلّفت عشرات القتلى والجرحى، وبعد ثلاثة أشهر من المظاهرات الشعبيّة التي تعمّ كافّة مدن الجنوب والعاصمة بغداد، والمطالبة بتغيير النظام القائم في العراق!

الأحداث المتسارعة في العراق خلال الساعات الأخيرة من العام 2019 لا ندري كيف ستجعل شكل الوطن في العام 2020، وهل ستدخل العراق في أُتون محرقة جديدة ستحرقه بلهيب أحداثها الملتهبة، وستقود لتغيير مرتقب، أم ستبقي البلاد على وضعها غير السليم القائم؟

وفي ساعة مبكرة من فجر اليوم الجمعة ظهرت أولى نتائج تغريدة الرئيس ترامب وذلك باستهداف ومقتل قائد فيلق القدس الإيرانيّ قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبيّ في العراق، أبو مهدي المهندس، وذلك عبر استهداف سيّارتهما بطائرة أمريكيّة بدون طيّار بعد خروجهما من مطار بغداد الدولي بدقائق معدودة!

هذه التطورات جاءت بعد الهجوم الذي نفّذته "المليشيات" ضدّ المعسكر الأمريكيّ في كركوك، قبل خمسة أيّام، وقتل فيه مقاول أمريكيّ وأصيب أربعة آخرون، وبسببه شنّت واشنطن هجماتها الجوّيّة على معسكرات "حزب الله العراقيّ" في العراق وسوريا، خلّفت عشرات القتلى والجرحى.

وهجوم كركوك لا ندري ما هي مبرّراته، وهل منفّذوه يرفضون التواجد الأجنبيّ في العراق.

فإن كان الجواب: نعم، نقول: هذه القوّات ليست جديدة، وشاركت مع الحشد في معارك الأنبار والموصل وغيرهما، فلماذا لم يهاجموها حينها؟

وعليه، أتصوّر أنّ الذين نفّذوا هجوم كركوك جاءتهم أوامر خارجيّة عُليا بضرورة خلط الأوراق، للدفع باتّجاه ترجيح الكفّة الإيرانيّة في حالة الحرب واللاحرب القائمة مع واشنطن!

عموماً، ومع الساعات الأخيرة من العام 2019، والأولى من العام 2020 توالت في العراق تطوّرات كبيرة وخطيرة، تمثّلت بمحاولة المئات من عناصر الحشد الشعبيّ (يتقدمهم رئيس هيئة الحشد فالح الفياض، ومعاونه أبو مهدي المهندس، وزعيم مليشيا عصائب أهل الحقّ، قيس الخزعلي) اقتحام السفارة الأمريكيّة، إلا أنّ التحصينات الكبيرة حالت دون ذلك، لكن تمكّنوا من إلحاق أضرار بالغة بالبوّابات والمداخل الخارجيّة للسفارة!

مليشيا "حزب الله العراقيّ" المستهدفة في الهجوم الأمريكيّ هي جزء من هيئة الحشد الشعبيّ، التي يقال، وبموجب تصريحات الحكومة وزعماء الحشد، إنّها جزء من المؤسّسة العسكريّة العراقيّة!

وبالمقابل، فإنّ وزارة الدفاع الأمريكيّة تقول إنّ تواجد القوات الأمريكية في العراق هو بموجب اتّفاق مع حكومة بغداد؛ وعليه كيف يمكن تفهّم هذه الجدليّة غير الواضحة، والمتمثّلة بوجود قوّات تابعة لحكومة بغداد (أقصد الحشد الشعبيّ) وتنفّذ هجمات على قوّات موجودة في البلاد بموجب اتّفاق مع حكومة بغداد. فهل حكومة عادل عبد المهدي على علم بذلك، أم أنّ الحشد قوّات طفيليّة تقتات على موازنات العراق، ولا تعمل لمصلحة الوطن والمواطن؟

تداعيات التطورات الأخيرة في العراق لم تنته بعد، وربّما ستقود إلى تغيّير شكل نظام الحكم القائم في البلاد استناداً على تغريدة الرئيس ترامب!

أيضاً، ربّما، ستضغط القوى المؤيّدة للطرف الثالث للدفع باتّجاه طرد السفير الأمريكيّ من العراق، وهنا ستبدأ الضربة الأمريكيّة الدبلوماسيّة عبر عودة العراق إلى الفصل الثالث، وهذه هي النقطة التي يمكن أن تساهم في ترتيب الحالة العراقيّة ثانية وتعيد القطار العراقيّ إلى سِكّته الصحيحة!

ردود الفعل العمليّة على الهجوم الجوّيّ الأمريكيّ لم تظهر حتّى الساعة، والساعات القليلة القادمة حبلى بالأحداث وردود الفعل التي لا يمكن توقّع شكلها بسهولة!

التطورات الأخيرة تدلّ على أنّ القوى الشرّيرة تحاول نقل الحرب بالنيابة ما بين طهران وواشنطن إلى أرض العراق، وهذه المحاولات لا تخدم المصلحة العراقيّة العليا بل على خلاف ذلك هي نوع من الدمار التدريجيّ للعراق وجعله ضحيّة لصراع لا ناقة له فيها ولا جمل!