كتاب عربي 21

اللوبي الإماراتي لحشد الكونغرس الأمريكي ضد تركيا

1300x600
ذكرت وكالة الأناضول للأنباء في تقرير لها أن سجلات بريد الكتروني كشفت محاولة شركة علاقات عامة في الولايات المتحدة ممارسة ضغوط على أعضاء الكونغرس الأمريكي من أجل فرض عقوبات على تركيا، مشيرة إلى أن الشركة الأمريكية المذكورة تقوم بهذا العمل نيابة عن دولة الإمارات العربية المتحدة.

ما ورد في تقرير وكالة الأناضول للأنباء لا يحمل أي جديد للمتابعين للشؤون الإماراتية وما تقوم به أبو ظبي ضد الدول الداعمة للربيع العربي، مثل تركيا وقطر. وسبق أن نشرت في وسائل الإعلام عشرات التقارير حول اللوبي الإماراتي في واشنطن واللوبي الإماراتي في لندن، ومساعي أبو ظبي لشراء مؤسسات الفكر والبحث وصانعي السياسات في العواصم الأوروبية. وكانت جهود اللوبي الإماراتي ترمي غالبا إلى دفع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إلى سحب تنظيم كأس العالم من قطر، قبل أن تتوسع وتستهدف تركيا.

العلاقات التركية الأمريكية تعاني في الآونة الأخيرة من أزمات عديدة، كما تشهد في ذات الوقت محاولات لتقارب وجهات النظر وتجاوز الخلافات ورأب الصدأ كي لا تتدهور أكثر. ويبدو أن أبو ظبي ترى في هذه الأزمات فرصة لا تعوض لتوسيع الشرخ بين أنقرة وواشنطن قدر الإمكان. ولا ندري، هل تتجاوز جهود اللوبي الإماراتي مجرد إرسال رسائل إلى أعضاء الكونغرس الأمريكي لتصل إلى محاولة شراء ذممهم بالمال أم لا؟

الأزمات التي تشهدها العلاقات بين أنقرة وواشنطن لها أسباب أخرى بعيدة عن تحريض اللوبي الإماراتي. وأعتقد أن تأثير جهود أبو ظبي في الموضوع يكاد ينعدم، غير أنها تشكل مصدر استرزاق لبعض الأمريكيين الذين يكسبون ملايين الدولارات من "عمليات الحلب"، مقابل خدمة إرسال عدة رسائل الكترونية إلى صناع القرار في واشنطن أو نشر تقارير ومقالات في صحف ومواقع أمريكية.

البريد الالكتروني الذي أرسلته شركة الضغط إلى بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي، نيابة عن الإمارات، يؤكد أن أبو ظبي تدعم إجراءات فرض عقوبات على تركيا، كما تدين عملية نبع السلام العسكرية التي أطلقها الجيش التركي لتطهير شرقي الفرات في سوريا من عناصر وحدات حماية الشعب الكردي، بالإضافة إلى محاولة زج اسم قطر في الموضوع، من خلال الإشارة إلى أن الدوحة تدعم العملية العسكرية التركية.

تحريض أعضاء الكونغرس الأمريكي ضد تركيا يعكس تماما طبيعة السياسة الخارجية التي تمارسها أبو ظبي منذ فترة. وهي سياسة مبنية على التستر وراء الآخرين لاستهداف الخصوم، بدلا من المواجهة المباشرة. وتدفع الإمارات أحيانا السعودية أو مصر للواجهة، وأحيانا ترفع راية العروبة لتخفي طموحاتها وراء القومية العربية، كما تسعى في بعض الأحيان إلى تحريض الدول الغربية أو روسيا ضد تركيا وقطر.

وفي إطار ذات السياسة، تسللت إلى اليمن تحت عباءة "قوات التحالف" بحجة دعم الشرعية ضد انقلاب الحوثيين، ولكنها لم تفعل غير طعن الشرعية في ظهرها، لتطبق أجندتها التي تهدف إلى تمزيق اليمن. ومن المؤكد أن ما كتبه المدعو "حمد المزروعي"، المغرد الإماراتي المقرب من ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، في حسابه بموقع تويتر، والذي عبر فيه عن تمنيه بنشوب حرب بين تركيا واليونان لتشارك فيها الإمارات إلى جانب الأخيرة، هو أحد ثمار تلك السياسة الجبانة.

الإمارات حاليا مشاركة في الحرب ضد تركيا في أكثر من ساحة، من خلال دعم النظام العسكري الانقلابي في مصر، والجنرال المتقاعد خليفة حفتر في ليبيا، ووحدات حماية الشعب الكردي في سوريا، بالإضافة إلى الحروب الدبلوماسية التي تخوضها في المحافل الدولية. ولكنها إن كانت متعطشة للخوض في معارك ساخنة لتواجه الجيش التركي بقواتها وجها لوجه، فعلى قادتها أن يعوا بأن الخوض في الحروب مباشرة يختلف كليا عن الحروب بالوكالة، ودعم مجموعات إرهابية هنا أو هناك بالمال والسلاح.

تركيا تراقب رجال الإمارات عن كثب، وتسجل كافة تحركاتهم، لاتخاذ خطوت لازمة في وقت مناسب، كما فعلت في قضية محمد دحلان، مستشار ولي عهد أبو ظبي، الذي أدرجته رسميا في القائمة الحمراء للإرهابيين المطلوبين، وعرضت جائزة مالية من أجل اعتقاله. وإن رأت أن مثل هذه الخطوات غير كافية للحد من أذى الإمارات وتحرشاتها، فقد تنتقل إلى مرحلة أخرى تتبنى فيها سياسة حازمة لتعيد "النمر من ورق" إلى حجمه الطبيعي.