قضايا وآراء

جمهورية الخوف تضع للعالم استراتيجية مكافحة الإرهاب!

1300x600
في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تفاجأ العالم باختيار مصر، ممثلة بنظامها الحالي، للمشاركة في قيادة استعراض استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب، وهو ما دفع إلى الوقوف طويلا عند هذا القرار وتفنيده.

في البداية يجب الوقوف على مفهوم الاستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب التي تبنتها هيئة الأمم المتحدة، والتي بدأ العمل عليها منذ عام 2006، وتتضمن الأسس والآليات القانونية والعملياتية لضمان نجاح تلك الاستراتيجية.

ولما كان النظام المصري، منذ أن وثب على السلطة في 2013 بعد الانقلاب على الرئيس المنتخب شعبيا، يصدر خطاب محاربة الإرهاب، بدأت الفكرة بتبرير الانقلاب على الرئيس والتيار الذي ينتمي إليه. فأول جماعة صنفت إرهابية من النظام المصري كانت جماعة الإخوان المسلمين، على الرغم من أن تلك الجماعة نفسها والتي رشحت الرئيس المنتخب، هي من أوصلت وزير الدفاع المنقلب إلى سدة وزارة الدفاع. ولما كانت الإستراتيجية الدولية لمكافحة الإرهاب تعتمد في عملها المعطيات المتوفرة في ما يتعلق بما يسمى "الجماعات الإرهابية" (من حيث أوصافهم، وجنسياتهم، وتموضعهم، ونشاطاتهم)، وكذا كشف السبل التي من شأنها دعم هذه الجماعات مادياً ومعنوياً، وهو ما برع فيه النظام المصري بشكل كبير في فترة مبارك ثم السيسي، إذ فتح السيسي أبواب مخابراته على مصرعيها للمخابرات الامريكية والصهيونية على السواء، لكن الإشكالية التي يجب أن يتوقف عندها العالم هي مدى حقيقة المعلومات التي تصدرها مخابرات النظام في مصر.

بعد كشف فضيحة شركة وورلد تشيك، التي كانت العمدة في مجالها، وتلك القوائم المسماة باسم الشركة والتي صنفت على أساسها المؤسسات والافراد ووصمتهم بالإرهاب، وهي القوائم التي اعتمدت عليها أغلب البنوك وكثير من المخابرات في العالم لتصنيف الأفراد والمؤسسات على قائمة الإرهاب ومن ثم حذرت التعامل معهم، فلا يمكن بأي حال من الأحوال الوثوق في تصنيفات مخابرات النظام المصري. كما أن النظام المصري الذي فشل على مدى ست سنوات في مكافحة "الإرهاب" في سيناء؛ غير مؤهل ليكون ضمن الدول التي تضع استراتيجية لمكافحته.

يقول الخبراء إن المجموعات المسلحة في سيناء لا يزيد عدد أفرادها عن بضع مئات، ومع ذلك فالعمليات ضد القوات المسلحة والشرطة المتواجدة في سيناء لم تتوقف ولم تقمع، بل وتزداد رغم استخدام كل الأسلحة الثقيلة والطائرات في المنطقة. فلا زال الملف الأمني على قائمة الملفات التي استندت إليها الثورة المضادة في مصر للانقلاب على شرعية نظام الرئيس الشهيد محمد مرسي، وهو الملف الذي لا ينفك النظام في كل محفل دولي وعلى جميع المستويات أن يسوقه، لضمان بقائه بعد أن فشل في إنتاج شرعية الوجود، مع الرفض المطلق من غالبية فئات الشعب، وهو ما جعل النظام يتحول من مرحلة محاربة الإرهاب إلى صناعته، سواء باختلاق أحداث في توقيتات باتت معروفة لدى العامة ليتذرع بتمرير قوانين أو قرارات تزيد من معانات الشعب الواقع تحت مرمى بنادق النظام وبطشه، أو من خلال الانتهاكات التي باتت مظهرا من مظاهر الحياة اليومية للمواطن المصري في وسائل المواصلات أو حتى في الشارع أثناء السير.

هذه الانتهاكات تدفع إلى نظرة أعمق ممن اتخذ قرار الاستعانة بالنظام المصري في استراتيجية مكافحة الإرهاب إلى إعادة النظر في القرار، فملف النظام المصري الأسود في حقوق الإنسان، والذي تحصل على أكثر من 300 ملحوظة أثناء مناقشة الملف الدوري لمصر في مجلس حقوق الإنسان منذ أيام، مع وجود عشرات آلاف المعتقلين في مصر بأحكام مسيسة، وآلاف المحبوسين على ذمم قضايا لم تفحص ولم تنظر أمام المحاكم لأكثر من عامين، بالإضافة إلى آلاف المخفيين قسرا، ومئات أحكام الإعدام، نفذ منها العشرات، بالإضافة إلى القتل بالإهمال الطبي، حيث وثقت منظمة هيومن رايتس مونيتور 330 حالة منذ الانقلاب.

في تقريرها منذ أيام اتهمت منظمة العفو الدولية نيابة أمن الدولة العليا في مصر بإساءة استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لملاحقة آلاف المعارضين بل حتى المنتقدين للنظام، ووضعت المنظمة علامات استفهام على ضمانات المحاكمات العادلة والمفترضة في أي نظام في هذا القرن من عمر العالم، ومن ثم اتهمت المنظمة أمن الدولة بتعذيب المتهمين والتورط في حالات اختفاء قسري. وحذرت المنظمة من أن حكومة السيسي أقامت ما أسمته "نظاماً موازياً للعدالة" لقمع المعارضة، وأداته في ذلك نيابة أمن الدولة ومحاكم مكافحة الإرهاب المصنوعة من قبل النظام للتخلص من معارضيه.

لقد بدأ المجتمع الدولي يفقد مصداقيته لدى الدول النامية والواقعة تحت حكم وكلاء الدول العظمى التي ترى في الدكتاتوريات وحكم العسكر ضمانة لحماية مصالحها، وهو ما سينعكس بالنتيجة على صناعة أجيال تحمل الحقد والبغض لهذا المجتمع الذي تحكمه المصالح لا المبادئ كما تدعي منظمته الدولية (الأمم المتحدة)، ومن ثم فلا يلومنّ الغرب إلا نفسه ولا تحمل شعوبها المسئولية إلا لحكامها الذين زرعوا الإرهاب بعد أن استشاروا نظاما إرهابيا لمكافحته.