كتاب عربي 21

الوجه العلماني لداعش

1300x600
(1)
لست راضيا بما يكفي لكي أعظكم بضروة التزام الأخلاق، ولست معتوها بما يكفي لأحرضكم على التخلي تماما عنها.

لست مرتاحا بما يكفي للدفاع عن هذا العالم الظالم، ولست منحرفا لكي أوافقكم على إحراقه.

لا أحب الحياة في جوثام.. مدينة الظلام والقبح والجريمة، ولا أحب أن أنتحر للخلاص من هذه الحياة التي لا أطيقها.

ربما لا زلت طفلاً يضمر القليل من الشر الذي يدفع به الأذى عن نفسه، فيتعلق خفية بشخصية الجوكر الشرير، ويبتسم معجبا بضحكاته الهيستيرية وملابسه الملونة ووجهه المُقَنّع، لكن الطفل لا يكون طفلا إلا إذا أحب باتمان وهلل فرحاً بانتصاراته على الجوكر وبقية الأشرار.

(2)
شعرت بدهشة شديدة عندما فاز فيلم "جوكر" بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينسيا الفائت، وشعرت بدهشة أكبر من الإعجاب الجماهيري الكاسح بالفيلم قبل عرضه على الشاشات، وأجلت تخوفاتي وملاحظاتي لما بعد مشاهدة الفيلم، خاصة وأن تاريخ مخرجه وكاتبه تود فيليبس لا يوحي بمنتج إبداعي عظيم. وقد تأخرت في مشاهدة الفيلم عدة أيام طالعت خلالها فيضاً من الإعجاب الجماهيري لنقاد وصحفيين مصريين ومشاهدين عاديين معظمهم من الطبقة الوسطى، ولما شاهدت الفيلم أصابتني صدمة إحباط كبيرة، فالفيلم ليس مبهراً على المستوى الفني، وإن تميز في بعض العناصر السينمائية، وهو أمر متوقع ومفهوم في سينما عالمية لها مستواها التقني في التصوير والصوت وبناء المناظر، ومستواها البشري في التمثيل والأداء. لكن في المجمل لم يكن الفيلم بعمق التناول الفكري الذي قدمه كريستوفر نولان في ثلاثيته عن باتمان، ولم يكن في جمال وصدق ما قدمه سكورسيزي في "سائق التاكسي" عن الأبطال الضائعين المسحوقين في المدن الظالمة، ولا أفلام أخرى مثل "راعي بقر منتصف الليل" أو حتى "بيردي" و"فورست جامب" و"انتقام في" الذي نشر قناع جي فوكس كرمز للثورة الفوضوية العنيفة ضد السلطات القمعية.

(3)
التناول يبدو جذابا للمسحوقين وللمسروقين ولبقايا البشر المحبوسين في أجساد هزيلة دمرها القهر والتنمر وسوء التغذية بكل معانيها، البدينة والثقافية والعاطفية، لكن الجاذبية التي تبناها الفيلم تنطلق من لحظة ما بعد السقوط، تنطلق من لحظة عدمية كرست فكرة تفخيخ الذات وتفجيرها في المدينة الظالمة، وهي لحظة هدم وانتحار لا تأمل في البناء بقدر ما ترتاح للفناء. ومثل هذه اللحظات العدمية هي التي انتجت "جاذبية الشيطان" لدى قطاعات من البشر عبر الأزمنة المختلفة، حتى أن شبابا في بلدان عدة أعادوا إنتاج هذا الإعجاب المنحرف في مظهر ثقافي واعتقادي عصري عبر الموسيقى والأزياء والأخلاق.

ونظرتي لظاهرة إعجاب الناس بالشيطان أو بهتلر أو بالجوكر أو بالقتلة المتسلسلين في أفلام الآكشن وفي الحياة، لا تنطق من النظر للقضية باعتبارها هجائية للجهل في مناطحة العلم، ولا للدناءة في مواجهة الأخلاق، ولا للفقراء مقابل الأغنياء؛ لأن الظاهرة تجمع بين فلسفات متجذرة تمدح "مطرقة نيتشة" والثورات الدموية للطبقات الرثة التي بشّر بها ماركس، وانتقام الحرافيش وثورات الجياع، ونظريات الفوضى التي صاغها علماء اجتماع وقادة أمنيون ومفكرو سلطة وسماسرة ثقافة وفنون، وإعلانات تسويقية لا تستهدف أكثر من الربح، حتى لو باستحلاب الجثث.

(4)
في عالم أحادي القطبية يغيب باتمان لصالح ظهور الجوكر، ولا فرق عندي إن كانت جاذبية الشرير تنبع من كذبة الحروب الأمريكية ضد الشعوب تحت اسم صناعة الديمقراطيات والحفاظ على السلم العالمي ورعاية حقوق الإنسان، أو تنبع من الاتجاه المضاد لهذه الهيمنة ولهذه الأكاذيب، ولكن بنفس الأسلوب الوحشي، حيث يقع الناس بين إدارتين متوحشتين: واحدة رسمية منمقة يترأسها قاتل يجلس في المكتب البيضاوي ويرتدي قناعا إنسانياً ضاحكاً، والثانية أهلية منبوذة مطاردة يترأسها أبو بكر البغدادي الذي يحكم من الخفاء ويرتدي قناعاً دينياً متوحشاً يغازل الحنين في نفوس المهزومين.. هكذا يرتدي القتلة الأقنعة، حتى لم نعد نعرف حقيقة المشاعر والهويات، وهو ما دمر إنسانية "آرثر فليك" قبل أن يصدر فائض الدمار الذي حل به إلى المجتمع من حوله.

(5)
لكن الأسئلة الذي يجب أن نفكر معا في إجابتها:

كيف يمكن أن ندين داعش ونشجع الجوكر في الوقت نفسه؟

كيف نقتنع أن سعيد (الفلسطيني المعذب في فيلم الجنة الآن) يجب أن يتراجع عن تفجير نفسه في حافلة الأعداء، بينما ندافع عن حق المسروق في قتل سارقه، وحق المظلوم في قتل ظالمه، وحق المتنمر به في قتل المتنمر الحقير؟

(6)
لقد عشت طويلا مناصراً لمجانين الأمة: سعد حلاوة في مواجهة التطبيع، وسليمان خاطر في مواجهة تدنيس الأعداء لأرض الوطن، وظواهر المقاومة في الأردن وفلسطين وجنوب لبنان. كانت التصريحات الرسمية تقدم أصحاب هذه البطولات بتوصيف ثابت لا يتغير: "مجنون أو مختل عقليا"، لكي تزرع في نفوسنا أن العقل هو الاستسلام للعدو، والجلوس على موائد التسول بأدب، وطلب السماح بالعيش كخدم وعبيد في قصور النظام المتحكم. لكن هذه البطولات الفردية تحولت إلى ذرائع قتل جماعي من عصابات العنف التي تحكم العالم، فقابلوا الصفعة بقنبلة، وردوا على الصرخة بصاروخ، فلا دم سعد حلاوة أوقف التطبيع، ولا رقبة سليمان خاطر صانت سيناء، ولا وصية سناء محيدلي أعادت لبنان لخيلائه الليبرالي القديم.

(7)
لكي تكتمل الصورة لن أكتفي بأسئلة تبدو كما لو كانت إدانة لأساليب نضال قديمة، أو يفهمها البعض كاعتراف بالعجز أو انصراف عن حق الأفراد والشعوب في المقاومة، لذلك أضيف الجانب المقابل من الأسئلة لتعتدل كفتي الميزان. فالتطبيع لم يوقفه عقلاء الأحزاب المعارضة ونواب الشعب المهذبين، وسيناء لم يصُنها جيشها النظامي، بل يعترف أن البغدادي اغتصبها وهي تحت حراسة الحكماء الشجعان، كذلك لم يستطع عرفات أن يحصل على أكثر من خيمة تم قصفها على رأسه عندما اختلف مع من وعدوه بالدولة مقابل نزع البندقية من يد المقاوم، وفي لبنان الحزين لم يستطع الحريري، ولم يستطع نصر الله، ولم يستطع مارون بغدادي وفيروز وحسين مروة وأحمد قعبور وهيفاء وهبي وخالد الهبر وميشيل عون ومارسيل خليفة.

(8)
هل نعمل جميعا من أجل هذا؟ من أجل الأوطان؟.. من أجل العدل؟.. من أجل الحرية؟.. من أجل العيش الكريم وحياة أفضل؟

يقول الجوكر: نعم أعمل، أنا لا أعمل شيئا غير العمل، لكنني لم أعد اعرف هل أنا موجود حقاً أم غير موجود!

هكذا يرتدي الجوكر ثياب هاملت، وهكذا يمكن أن نفهم سقوطه كصيحة إنذار، ونسمع رصاصاته كصرخة تحذير، لكن من العيب ومن العار ومن الجريمة التي تنقلنا من صف الإنسانية إلى صف الوحوش والأعداء؛ أن نفهم سقوط الجوكر في جحيم القتل باعتباره دعوة ترويج للعنف، أو بتقليده كأسلوب للحل، فالجاهل لا يعلم العارف ولا يصحح الخطأ، والقاتل مقتول لأنه خسر وجوده في الحياة، وهو ما قاله نيتشة نفسه على لسان زرادشت: لا تحارب الوحوش باساليبهم نفسها، لأنك حينها ستكون واحدا منهم، بل لن تكون هنا.. لن تكون موجودا.. لن تكون حياً، كما قال الجوكر عن أزمته بعد أن خرج من الوجود إلى العدم. وهكذا يسقط الحساب وتسقط القضية، فليس على المجنون حرج، وليس على المختل حرج، وغير الموجود لا يمكن أن يكون حاضراً أو قدوة، فليس هناك إلا الأمثولة ومن يفهمها، وغير ذلك هو والعدم سواء.

(أغنية الختام)

لقد اعتدت أن أفكر في حياتي كمأساة

لكنني الآن أدركت أنها ملهاة

عندما تصبح مريضاً عقلياً

فإن أسوأ شيء يحدث لك

هو أن يتوقع الناس منك أن تتصرف كإنسان طبيعي

أن تجلب الابتسامة والمرح إلى العالم

رويداً رويداً

هل زاد جنوني؟

أم أن العالم بالخارج هو الذي يزداد جنونا؟

لقد ضلت مدينة جوثام طريقها

tamahi@hotmail.com