أفكَار

الديمقراطية العربية.. "عفريت" يسكن انتخابات الجزائر

انقسام حاد بين القوى السياسية الرئيسية في الجزائر حول شروط الانتخابات وموعدها (أنترنت)

أثبت التاريخ والوقائع، أنه كلما فتحت صناديق الانتخابات في الجزائر، إلا وطلع منها "عفريت" يحمل شكلا ولونا مختلفا عن العفريت الذي قبله، ودخلت فيه البلاد متاهات لا حصر لها، في الوقت الذي يعد فيه الصندوق الانتخابي في الديمقراطيات الحديثة، وسيلة متحضرة لفك التناقضات والفصل في صراع المصالح والعصب.

وإذ نتحدث هنا عن الجزائر التي مازالت تعيش حراكا شعبيا غير مسبوق، كنموذج صارخ عن الديمقراطية العربية بمفهومها الخاص، فلأن هذا المعطى "التفجيري"، يتجدد اليوم بشكل غير مسبوق، وقد تحولت انتخابات الرئاسة المقررة في البلاد في 12 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، إلى مشكلة حقيقية بدل أن تكون حلا، وبسببها دخل المجتمع الجزائري كله، في حالة استقطاب حاد، بين المؤيدين بقوة لإجراء هذه الانتخابات، وبين المعارضين بشراسة لها، الأمر الذي يهدد جديا بوقوع انزلاقات أمنية خطيرة، وربما أدى إلى حصول المحظور ودخول البلاد حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية.

 


ضمن هذا التناقض الغريب، حيث السعي وراء الديمقراطية، تتهدده الديمقراطية ذاتها، أو تتهدده أهم أدوات الديمقراطية التي هي الفعل الانتخابي الذي صار إشكاليا بالمعنى العميق للكلمة، كانت الجزائر أيضا قبل 27 سنة من الآن، ضحية "جرأتها الديمقراطية" الزائدة، حين سبقت الربيع العربي بسنوات طويلة، إلى احتضان التعددية السياسية والفكرية، وحرية الرأي والتعبير، لكنها لما احتكمت فعليا إلى الصندوق، وفازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بأغلبية مقاعد البرلمان في نهاية العام 1991، وقبلها فازت بالانتخابات المحلية، ظهر المارد المتجبر من قمقمه، ومن بين نتائج الصندوق خرت الدبابة إلى الشوارع، لتحصد أرواح عشرات الآلاف من الجزائريين، فتحيل البلاد على أقسى تجربة عاشتها منذ استقلالها.

ولم تكن انتخابات كانون أول (ديسمبر) 1991، وحدها التي أخرجت عفريتا انقلابيا شرسا، إنما كل الانتخابات "المزورة" التي جاءت من بعد، أخرجت بدورها عفاريتها، فقد كانت انتخابات الرئاسة تشرين ثاني (نوفمبر) 1995 التي أتت بالرئيس اليامين زروال، طريقا لظهور عفريت المجازر البشعة في حق الأبرياء، مما اضطر زروال للانسحاب وتقديم الاستقالة قبل نهاية ولايته الأولى في نهاية أيلول (سبتمبر) 1998، وكانت انتخابات الرئاسة العام 1999 أكبر كارثة منيت بها الديمقراطية الجزائرية، وظهور عفريت "البوتفليقية" المدمر، حين كانت غطاء لقرار جنرالات الجيش تولية عبد العزيز بوتفليقة، رغم انسحاب المترشحين المنافسين الستة له من الدور الأول، بعد أن تبين للجميع أن العملية منتهية قبل أن تبدأ، ثم لتكرس جميع الانتخابات الصورية التي تلتها فيما بعد. 

كانت انتخابات 2004، بداية للاستفراد بالحكم، وخروج عفريت الإقصاء وقمع المعارضين وتثبيت حكم الشخص الواحد، ثم كانت انتخابات 2009، إعلانا صريحا لانتهاك الدستور بعد تعديله قصرا، وخروج عفريت "التمديد" وفتح العهدات الرئاسية، ليتسنى للرئيس المفدى أن يظل في مكانه حتى الموت، وتتشكل إثرها طبقة من الأوليغارشية الفاسدة، التي استولت على ثروة البلاد عبر الزبائنية والولاء، قبل أن تأتي انتخابات 2014، لتكون مناسبة لظهور عفريت "الرئيس المحنط"، بعد أن تم ترشيح بوتفليقة وهو عاجز بدنيا وعقليا، إثر تعرضه لنوبة دماغية، تولى إثرها الشقيق الأصغر للرئيس مقاليد الحكم بالوكالة، واستولى على ختم الرئاسة ليبدأ العبث الشامل.

أما انتخابات 18 نيسان (أبريل) 2019، التي كانت مقررة أن تكون العهدة الخامسة لبوتفليقة المريض، فقد كانت بدورها مناسبة لينفجر عفريت الرفض الشعبي، وتخرج سيول الجماهير بالملايين إلى الشارع لتعيد صياغة قواعد اللعبة من جديد، وتسقط الرئيس المقعد من عرش "المرادية" بعد أن انحاز الجيش إلى الشعب.

فهل انتهت القصة؟ أبدا.. إنها مستمرة ويبدو أنها ستستمر طويلا. 

انتخابات 12 كانون أول (ديسمبر).. وعفريت الانقسام الشعبي

أدى الرفض الشعبي وسط الحراك الجزائري للولاية الخامسة لبوتفليقة، ثم رفض التمديد له سنة إضافية، إلى إسقاط بوتفليقة ورفع سقف المطالب الشعبية، التي بدأت في بدايات الحراك الأولى، مقتصرة على مطلب "رفض الباءات الأربعة" (بان صالح كرئيس مؤقت للدولة، بدوي كرئيس للحكومة، بلعيز كرئيس للمجلس الدستوري، وبوشارب كرئيس للبرلمان)، ومحاكمة رؤوس النظام السابق، من كبار الفاسدين، ورغم الاستجابة الهائلة التي أبدتها المؤسسة العسكرية لمطلب اعتقال الفاسدين من رموز النظام البوتفليقي، وإيداعهم السجون، في حملة لم يسبق لها مثيل في الجزائر ولا في العالم العربي قاطبة، بإيداع كبار جنرالات الأجهزة الأمنية والعسكرية، واثنين من رؤساء الحكومات السابقين، وعدد معتبر من الوزراء وكبار الأثرياء من المليارديرات (بالدولار الأمريكي)، إلا أن المطالب بإزاحة كل رموز نظام بوتفليقة اصطدمت بتمسك المؤسسة العسكرية بالمسار الدستوري لحل الأزمة، حيث قبلت إسقاط رئيس المجلس الدستوري ورئيس البرلمان، لكنها أصرت على بقاء رئيس الدولة المؤقت لغاية إجراء انتخابات رئاسية جديدة وتسليم السلطة لرئيس منتخب، كونه يمثل رمز بقاء الدولة واقفة، وعلى إبقاء الحكومة التي يمنع الدستور إقالتها، لتسيير شؤون الدولة، وأن الحل الوحيد لتسليم السلطة للشعب، وتطبيق المادتين 7 و8 هو الذهاب إلى الانتخابات، بوصفها الحل الوحيد للأزمة، بعد تعديل قانون الانتخابات، وتشكيل السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، لتفادي عمليات التزوير السابقة، التي فشلت في منعها هيئة دربال التي تم حلها.

في منتصف الطريق هذا، اكتشف جزء من الحراكيين أن معظم مطالبهم قد تم تلبيتها، وأن الحل هو بالفعل في الذهاب إلى الانتخابات، فقرروا الانسحاب من الحراك، ومساندة خارطة طريق الجيش،  وقيادته الجديدة، التي يعتبرونها قيادة وطنية نوفمبرية، أزاحت رؤوس العصابة التي كانت تستولي في الماضي على قيادة الجيش والسلطة المدنية، وتورطت في المجازر التي وقعت في التسعينيات، وفي الفساد الذي ساد مرحلة بوتفليقة، وأنه لولا هذه القيادة الحالية للجيش، التي تعهدت بمنع سقوط أي قطرة دم، لما تمكن الحراك من الاستمرار إلى اليوم، ولتم مواجهته بالحديد والنار.

 



في المقابل، يصر جزء لا يستهان به من الشارع، على مواصلة الحراك إلى غاية إسقاط كامل رموز نظام بوتفليقة، وضمن هذه القوى المعارضة، من يطالبون بالمجلس التأسيسي، وإعادة صياغة دستور جديد للبلاد، وهناك من يطالب فقط بمرحلة انتقالية، يقودها مجلس انتقالي أو شخصية وطنية تحظى بالإجماع، وهذه القوى تقف حاليا ضمن الحراك المستمر لتعلن رفضها القاطع للانتخابات الرئاسية المقبلة، المقررة في 12 كانون أول (ديسمبر)، معتبرة أنها امتداد لنفس النظام، وأن شروط النزاهة فيها منعدمة، مع بقاء "حكومة التزوير" قائمة، ومع تشكيل سلطة وطنية للانتخابات تبين أنها لا تختلف عن لجنة دربال، مع سيطرة أحزاب الموالاة القديمة على هيئاتها، خاصة عبر الولايات والبلديات.

أمام هذا الوضع، ينقسم الشارع الجزائري حاليا وبشدة، في قراءة وفهم مدلولات الذهاب الآن إلى الصندوق الانتخابي، هل هو طريق للحل، أم هو طريق للتأزيم؟ بينما يزداد الاستقطاب حدة بين مكونات الشعب الواحد، ومعها ارتفعت أصوات التخوين المتبادل في خطابات السلطة والمعارضة معا، إلى درجة اندثرت معها صور التضامن والوحدة في أيام الحراك الأولى، لتتجه معها "ثورة الابتسامة" إلى حالة من حالات التجهم والغضب.

الديمقراطية والفكر الاقصائي

في مثل هذا الاستقطاب الحاد، يبرز قاموس جديد من مصطلحات التخوين والتخوين المضاد، يقف حيالها الفكر حائرا في كيفية التعامل معها، لأن الغضب والاستقطاب الحادين، يلغيان التفكير في كثير من الأحيان، ويفتحان المجال أمام التخندق الأيدولوجي الصلب، المتسم برفض الآخر ووصمه بأبشع النعوت.

في الجهة التي تقف فيها السلطة حاليا، حيث الجيش والقوى المؤيدة بقوة للانتخابات والذهاب إلى الصندوق بوصفه "الحل الوحيد للأزمة"، التي باتت تسمى بالقوى النوفمبرية الباديسية، تبرز الكثير من المصطلحات والتوصيفات والأحكام الجاهزة ضد أعداء الانتخابات في الظروف الحالية، من قبيل "المبردعين" (الذين توضع على ظهورهم البردعة ليركب أعداؤهم الأيدولوجيون عليها)، وتخص الوطنيين والإسلاميين الذين يسيرون في فلك القوى العلمانية الرافضة للانتخابات، وتبرز كلمة "الزواف" (الأمازيغ العملاء لفرنسا الاستعمارية)، ومعها مصطلحات وأوصاف من قبيل أزلام الدولة العميقة، الغجر، الوندال وغيرها من الأوصاف التي أصبحت تملأ الفضاء الأزرق، بما يجعل من إمكانية التصالح أو التوافق صعبة للغاية، لأن الاستقطاب الحاصل هو في الغالب على أساس هوياتي (عربي / أمازيغي)، أو أيديولوجي (وطني / علماني)، أو تاريخي (نوفمبري/ صومامي).

 



ودعم هذا القاموس من الجانب المؤيد قيادة الأركان ممثلة في شخص قائد الأركان، الذي أصبح يرافق الحراك بالخطب من الثكنات، وهي الخطب التي امتلأت بكم كبير من التوصيفات التي باتت بدورها على كل لسان، لعل أبرزها، وصفه لرموز نظام بوتفليقة بـ "العصابة"، لكن فيما بعد بدأت تلك التوصيفات تنسحب على بعض المعارضين أيضا الذين يسميهم بـ " أذناب العصابة"، المتآمرين، كما أن وصفه لهؤلاء بـ "الشرذمة"، خلف ردود فعل كبيرة بين مؤيد ومعارض لها بحسب التموقعات.

ويكفي هنا ذكر بعض العبارات التي تحفل بها خطابات قائد الجيش، لنفهم الأجواء التي تمر بها الجزائر: (إما أن تكون مع الجزائر أو مع أعدائها)، (أبواق ناعقة نصبت نفسها وصية على الشعب)، (لا مكان لأي مرتزق وأي عميل مخادع في جزائر الغد)، (التحامل على الجيش هو جزء من مخطط خبيث)، (الرافضون للمسار الدستوري ينشرون السموم).

في المقابل، لم يتورع المعارضون للانتخابات الرئاسية المقبلة، على إنتاج قاموسهم الخاص، الذي عادة ما يرددونه بكثير من العنف أحيانا في المسيرات الأخيرة للحراك، التي انتقلت من إهانة رموز النظام، إلى التهجم على قيادة الجيش، من قبيل "القايد ديقاج"، "القايد خاننا"، مع شعارات أخرى، تطالب بادخل قائد الجيش السجن، وأخرى تدعو للانقلاب عليه.

بينما لا يتورع المعارضون في مواقع التواصل الاجتماعي وبعض نجوم "اللايف" (المباشر) من وصف المؤيدين للمؤسسة العسكرية وخيار الانتخابات، بـ "الخونة" الذين "سيدفعون الثمن غاليا إذا شاركوا في الانتخابات"، بل إن هناك من دعا صراحة إلى العصيان المسلح، وقتل كل من يذهب للانتخاب، في حين تكفل آخرون بإطلاق توصيفات مهينة على كل من يؤمن بالانتخابات، كحل من قبيل "لحاسين الرونجاص" (بمعنى لاعقي الأحذية العسكرية)، وبـ "الكاشيريست" (أي الذين يتم شراؤهم بالكاشير)، أو "الفرامجية" (الذين يبيعون ذمتهم بقطع الجبن) وغيرها من الأوصاف الأخرى.

جدل فكري وقانوني رهيب

غير أنه في مقابل لغة الشارع هذه، وحالة الغضب المتبادل بين الطرفين، تندلع في الأثناء معارك فكرية وقانونية ساخنة بين المؤيدين والمعارضين لهذه الانتخابات، والمثير أن لكل فئة منطقها وحججها الدامغة التي تستند إليها، وهو ما عمق الخلافات وجعل من معرفة الجهة الأقرب للحق بالغة التعقيد.

يقول المؤيدون للانتخابات أن الالتزام بالدستور هو وحده الكفيل بالحفاظ على استقرار ووحدة البلاد، وأن الذهاب إلى الانتخابات بشروط نزاهتها هو الحل الوحيد الآمن حاليا، في ظل الظروف الدقيقة والحساسة التي تمر بها البلاد، على اعتبار أن الانتخابات هي الطريقة "الديمقراطية" الوحيدة التي تمكن الشعب من اختيار حكامه وممثليه، ولا توجد هناك أي طريقة أخرى، مستندين إلى قبول السلطات لأول مرة في تاريخ الجزائر المستقلة، إنشاء السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وهي سلطة مستقلة تماما عن الحكومة والإدارة في التنظيم والإشراف على الانتخابات من أولها إلى نهايتها، بما يسقط حجج المشككين في نزاهة الانتخابات، ويجعل من بقاء الحكومة لا معنى له من ناحية التأثير السلبي على نزاهة العملية.

وتحدى هؤلاء دعاة المرحلة الانتقالية أو المجلس التأسيسي، بإعطاء بدائل ديمقراطية غير الانتخابات، على اعتبار أن المرحلة الانتقالية تقوم أساسا على التعيين، وأن التعيين لا يمكن اعتباره فعلا ديمقراطيا إطلاقا، لأنه يخضع للمساومات والفرض وتدخل القوى الخارجية ولوبيات المصالح، فعلى أي أساس يتم اختيار شخصية أو مجموعة شخصيات دون غيرها؟ ومن يعطي سلطة التعيين؟ ومن يضمن أن الأطراف التي يتم تعيينها لقيادة المرحلة الانتقالية لا تلقى المعارضة نفسها من جهات لا تجد نفسها فيها، وربما كان حجم المعارضة لها أكبر من المعارضين حاليا لمن تولوا السلطة المؤقتة.

يؤكد المؤيدون للانتخابات، أن رئيس الدولة الحالي، وإن لم تكن لديه الشرعية الشعبية، إلا أنه على الأقل يمتلك الشرعية الدستورية، وأن التمديد الذي حصل عليه السيد ابن صالح في عهدته المؤقتة، تستند بدورها إلى فتوى دستورية، وليس من فراغ، بينما سلطة التعيين لا تملك أدنى مشروعية، ويمكن الخروج عليها بسهولة، مما قد يؤدي إلى فوضى عارمة قد تهدد استقرار ووحدة البلاد.

ويردون على دعاة المجلس التأسيسي، بكونها دعوة مفخخة، لأن التأسيسية في ظل الأوضاع التي تمر بها البلاد، عبر الآلية التعيينية ذاتها، معناها تمكن الأقليات من مفاصل الدولة، حيث سيكون لتلك الأقليات الأيديولوجية والعرقية المتحفزة، سلطة كتابة دستور جديد على المقاس، لا مكان فيه للإسلام دين الدولة ولا العربية لغة رسمية، وربما تجرأت تلك الأقليات على المساس بثوابت أخرى، على طريقة الوثيقة السودانية، بكل ما تحمله من ألغام التفتيت الهوياتي.

أما الرافضون للانتخابات، وللذهاب إلى الصندوق في هذا الوقت، الذين مازالوا في الشارع يرددون شعارات من قبيل "لا انتخابات مع العصابات"، فيرتكزون على مبدأ التشكيك في نزاهة العملية الانتخابية برمتها، مستندين بدورهم إلى حقائق دامغة، منها القول "إننا لا يمكن بناء سفينة جديدة بخشب قديم"، على اعتبار بقاء حكومة التزوير التي عينها نظام بوتفليقة قائمة إلى اليوم، وسيطرة وجوه قديمة اشتغلت مع النظام نفسه على السلطة الوطنية للانتخابات، وأن هذه السيطرة تتوسع اليوم إلى الهياكل الخاصة بالسلطة الانتخابية في الولايات والدوائر، بما يجعل من الانتخابات فخا كبيرا، يسعى من خلاله النظام إلى إعادة رسكلة نفسه من جديد.

 



ويطالب هؤلاء الرافضون للذهاب إلى الصندوق الانتخابي حاليا، بفترة انتقالية يقودها شرفاء، تقطع بين الحكم والمنظومة القديمة والحكم الجديد، وأن بناء الجزائر الجديدة يقتضي وجوها جديدة بالكامل، غير متورطة في الفساد ولا الاستبداد، وأن الذهاب إلى الفترة الانتقالية ليست بدعة، فكثير من الدول في العالم حققت هذا الانتقال بكل سلاسة.

ويستعمل الطرفان أدوات قانونية وفق نظرة كل طرف، فبينما يصر دعاة المرحلة الانتقالية الرافضون للانتخابات على مبدأ تسليم السلطة للشعب (الطريقة تبقى غامضة)، وتطبيق المادتين 7 و8 من الدستور التي تنص على التوالي "الشعب مصدر كل سلطة، والسيادة الوطنية ملك للشعب وحده" وعلى "السلطة التأسيسية ملك للشعب"، وفق عملية تسلم وتسليم (...)، يرد دعاة الحل الدستوري المؤيدون للانتخابات، بأنه ليس هنالك آلية أخرى لتطبيق المادتين المذكورتين إلا بالانتخابات، وأنه لا يمكن أن يكون التعيين تطبيقا لهاتين المادتين، من دون أن يتم الحسم في هذا الجدل، ولا في زحزحة أي طرف عن مواقفه المتصلبة. 

لهذه الأسباب أصبح الصندوق مشكلة

يرى الأستاذ والناشط السياسي محمد صالح سهيل أن الصندوق لم يكن يوما حلا في الجزائر، بسبب هيمنة الإدارة على العملية، موضحا أن جزءا من الحراك تبنى الحل الدستوري، وذلك بضرورة العودة حالا للمسار الانتخابي واشترط ضمانات لذلك، منها هيئة مستقلة وتعديل للقانون الانتخابي وحكومة توافقية بديلة عن حكومة بدوي، ورأى أيضا أن سجن الذراع المالي والسياسي والأمني للعصابة كاف للمضي للانتخابات في أقصر الآجال.

 


 
لكن للأسف يستدرك الأستاذ محمد صالح سهيل الذي شارك بفاعلية في جولات الحوار الوطني، أن هذا الجزء من الحراك صار جزأين الآن: الأول وبعد الكشف عن أعضاء تشكيلة السلطة الانتخابية واللجان البلدية فضلا عن بقاء حكومة بدوي صار متهيبا من الانتخابات 12/12 يرفضها داخليا ولا يعلنها حتى لا يشوش عليها. والجزء الثاني عزم عليها ويكاد يناور أو ينتظر منجدا بظهور شخصية جامعة ينتخب عليها.

الطرف المقابل وأصحابه دعاة المرحلة الانتقالية والمجلس التأسيسي، هؤلاء يرون لا انتخابات إلا إذا مررنا بمرحلة انتقالية قادتها من الشخصيات محل رضا الحراك، هؤلاء يرفضون الصندوق إلا إذا كانوا هم من يضع له شروطه وأشخاصه، وقبل ذلك هم من يتولي الحكم لمرحلة يدركون لماذا يطلبونها، والأجندات التي يريدون تجسيدها في منظومة الحكم قبل المضي للصندوق.

ويفسر الأستاذ محمد الصالح سهيل لـ "عربي21" ما الذي جعل الصندوق الانتخابي مشكلة وليس حلا، أن طرفا يعتقد بأن الانتخابات غاية لذا استعجل الوصول إليها وهذا خطأ، فالانتخاب آت بداية للحل وليس كل الحل، ومما جعل الصندوق مشكلة أيضا، تعامل المؤسسة العسكرية مع فكرة الحل عبر الصندوق، فقد استعجلته دون توفر ظروفه.

ويضيف، إن ما توفر من ضمانات قانونية تم إفسادها بتشكيل لجنة الخمسين وكلهم من النظام القديم، فضلا عن الكوارث في تشكيل اللجان الولائية والبلدية، التي جاءت معاكسة تماما لقانون السلطة التي اجتهد فيها نخب ورجال، ناهيك أن قانون السلطة يحيد الإدارة تماما، لكن الإدارة هي من زكت تلك اللجان وهي من تشرف على التحضير، فيئس الناس من هذه التصرفات. كما أن خطاب الجيش مؤخرا صارا جبريا وغير متحفظ، وكأنه يفرض منطقا واحدا على الشعب. 

ويخلص محمد الصالح سهيل إلى التساؤل لمن ينتخب الجزائري؟ هناك الآن مرشحون بمستويات هزيلة ومبتذلة وفاقدة للقيادة والرؤيا والكاريزما وليست بمستوى حراك الملايين الأول، معتبرا في الأخير أن الانتخابات تكون بداية حل بعد ضمانات تتوفر وظروف تتهيأ، وإلا فستكون فاتحة لحدوث الكارثة.

لا بد من حل توافقي

أما هجيرة بنت زيتة أستاذة العلوم السياسية بجامعة غرداية، فترى أن الأصل في الانتخابات أن تكون هي الحل والمخرج للأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، وذلك من خلال توفير ظروف مناسبة للاختيار الحر، الذي يفصل ويحسم في الخلافات بطريقة ديمقراطية تنتج سلطة تتمتع بالشرعية بإمكانها المباشرة في تحقيق مطالب الجزائريين، لكنها للأسف تحولت إلى أزمة ومشكلة لأن السلطة الفعلية تريد فرضها كقرار سياسي من دون شراكة مع المجتمع والقوى السياسية، التي قدمت مبادرات لحل الأزمة لم تتم الاستجابة، لها مما أدى إلى انقسام الشارع الجزائري إلى مؤيد ومعارض لهذه الانتخابات في جو يسوده الاستقطاب الحاد، الذي قد يؤدي إلى الصدام إن لم يتم تدارك الأمر.

 



وتؤكد الأستاذة هجيرة بنت زيتة في حديثها لـ "عربي21" أن الحل لن يكون إلا من خلال إجراءات التهدئة بإطلاق سراح الشباب معتقلي الرأي، وتقديم ضمانات حقيقية وملموسة على نزاهة وشفافية هذه الانتخابات، وذلك من أجل تحقيق الثقة التي تدفع الجزائريين للانخراط في هذا المسار الانتخابي، الذي لن ينجح إلا إذا كان نتاجا لشراكة حقيقية بين كل القوى الفاعلة في المشهد السياسي الجزائري سلطة وشعبا، فالمخرج التوافقي بين الشعب والسلطة الفعلية هو الطريق الآمن الذي يحفظ لنا الدولة والمجتمع.