كتاب عربي 21

السيسي كزعيم غربي!

1300x600
(1)
العالم لم يعد كما كان، فقد نجح قليلون (ليس من بينهم سفير أو مسؤول دولة) في إقناع الأمم المتحدة بالعدول عن إقامة مؤتمر أممي في مصر، بما يشبه اعترافا دبلوماسيا واضحا بأن مصر "دولة تعذيب ممنهج"، ولا يليق بالمنظمة الدولية أن تساهم في غسل سمعة نظام ضد الإنسانية.

هل يعني هذا أن العالم تغير؟

هذا ليس المقصود، فالعالم يتغير دائما، منذ البدء وحتى ينتهي، فالتغير حتمي.. يحدث شئنا أم أبينا، لذلك فإن الأسئلة المهمة يجب ألاّ تهتم باتجاه التغير وهوية المستفيدين منه، حتى لا يحتكر الطغاة كل المتغيرات لصالحهم، ولا يتركون لنا منها إلا ما يضرنا ويُسَهِّل لهم إخضاعنا واستعبادنا. هكذا فعل الطغاة في مخترعات العلم، وفي حصاد الثورات، وفي وسائل الإعلام، وحاليا في محاولات الهيمنة على مواقع التواصل الاجتماعي.

(2)
العالم لم يعد كما كان، فقد نجحت مصر في أن تنضم إلى مجموعة العظماء الصناعيين في العالم، وها هو الرئيس الذي تعهد بأن يجعلها "أد الدنيا" يضيء قمة السبع الكبار في فرنسا، ويناقش مع قادة العالم قضايا مصيرية تخص الكوكب كله وليس دولة واحدة.. فقيييييرة أوووي.

هل يعني هذا أن العالم تغير؟

أكيد، فالتغير يحدث دائما كما اتفقنا، لكن يجب ألّا تتجاهل ما اتفقنا عليه أيضا من أسئلة عن اتجاه التغيير وهوية المستفيدين منه. ولهذا يلزم طرح بعض الأسئلة، مثل:

هل تقدمت مصر فعلا وصارت جديرة بحضور هذه القمم الخطيرة مع القوى الكبرى؟

وكيف تحدث الرئيس السيسي مثلا في قضية حرائق غابات الأمازون؟ وهل قدم للعالم خبرة مصر (باعتبارها دولة منتجة للحرائق) في التعامل مع حرائق العتبة ونيران مواسم الجرد واشتعال المتاحف والمصانع والمحال؟

وماذا قال في جلسة رسم سياسات الطاقة في العالم، وعلاقتها برقصة الكيكي وشعاره الاستباقي الرائد في هذا المجال: ارفع سعر البنزين يا باشمندس طارق.. ما يهمكش؟

وهل كان المتحدث الرئيس في جلسة تحديات الأمن العالمي، بوصفه الطبيب الوصاف الفيلسوف الذي يتلهف قادة العالم للاستفادة من حكمته؟ وهل عرض عليهم أسرار خطته الساحقة في تنظيم الإعلام، وتوسيع الحجب، وتوليد نماذج الجيل الرائع في الإعلام المضيء، من أمثال مكرم أحمد وريهام سعيد والباز وفودة وأحمد سليم؟

(3)
العالم لم يعد كما كان، فالذباب يتكاثر على الجيف ليقنع الأغبياء بأنها حلوى.. الذباب يقنع الأغبياء بأن الصين أقل صناعية من مصر، لذلك رفض العظماء السبعة دعوتها، بينما حرصوا على دعوة مصر؛ لأن تجاهل دعوة مصر قد يتسبب في جوع أمريكا وتعثر أوروبا، فصادرات مصر هي عمود اقتصاد هذه الدول! فقد تفاخر الذباب بأن صادرات مصر لأمريكا بلغت مليار دولار، تليها إيطاليا بحوالي 900 مليون دولار، وفرنسا الداعية بحوالي 300 مليون دولار!!

العالم تغير فعلا.. صرنا دولة تابعة، رخيصة، عميلة، تتم دعوتنا للمحافل الدولية كخدم الموائد، لا نشارك في سياسات رئيسية، ولا نصنع التوجهات، ولا نتصرف باستقلالية، ولا نحترم حياة شعوبنا ولا ظروف معيشتها، فقط نطيع ونمشي في المسارات المرسومة، نحمل البيارق ونفرش السجاجيد، ونبشر بفضائل الناهبين التاريخيين، باعتبارهم حماة العالم ورسل الرخاء والأمن.

العالم تغير فعلا، وعادت مصر مستعمرة مستباحة تحت حكم المندوبين السامين وعملائهم المحليين.

(4)
العالم لم يعد كما كان.. كانت سفن النهب والاستعباد ترسو على شواطئ أفريقيا لتنقل الموارد والعبيد للمستعمرين على الضفاف الأخرى البعيدة، كما كان المستكشفون وقوات الاحتلال ينهبون قلب القارة البكر، ويمحون العادات واللغات وطبيعة العلاقات بين الناس، لكن الأوغاد اليوم لا يريدون بذل المزيد من الجهد، فاخترعوا تنفيذ كل أغراضهم بالتحكم عن بعد، وبعد أن رفعوا قيمة النخاسين في زمن ما ومنحوهم صفات التجار ورجال الأعمال، يرفعونهم اليوم إلى درجة الزعماء ورؤساء الدول، مع أن المهمة واحدة: تسهيل نهب القارة الملعونة بأطماع الغرب وخيانات أبنائها الفاسدين.

وأكتفي بهذا الوجع، لأن أي كتابة لن تنجح في التعبير عن المشهد القميء.. مشهد ادعاء الذباب أن هذه الجِيَف حلوى، ومشهد الغافلين الذين فقدوا عيونهم وأنوفهم ويصدقون ذلك.

يا قادة العالم التعيس.. اختشوا أو موتوا.

tamahi@hotmail.com