كتاب عربي 21

تونس: الصراع على السلطة يفرز القوى

1300x600

تعيش تونس اليوم على وقع صراع محموم بين مختلف الأطراف السياسية والمدنية على حد سواء، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية. هذا الصراع السياسي يوازيه حراك متصاعد في الجوار المباشر بالجزائر، وتمدد لوتيرة الصراع العسكري في ليبيا بين المشروع الانقلابي الذي يقوده المتمرد حفتر مدعوما بالمال الإماراتي والدعم الدولي؛ وبين حكومة الوفاق الشرعية. لكن حالة الاضطراب هذه لا تقتصر على الجوار المباشر، بل إنها تتأثر كذلك بأصداء الصراعات في كامل المنطقة العربية من اليمن إلى سوريا، مرورا ببقية الدول العربية.

إرث بن علي الثقيل

لا أحد كان يتوقع عودة النظام القديم بالشكل الذي هو عليه اليوم، ولا أحد كان يتصور أن الدولة العميقة ستنجح بشكل سريع في ترميم صفوفها وفي امتصاص الموجة الثورية العاتية. لكن مسارات الثورة الداخلية وانكسار بقية التجارب الثورية العربية، خاصة في مصر وسوريا، كان له أثر كبير على التجربة التونسية، كما أنّ التشرذم الكبير للقوى المحسوبة على المعارضة قد ساهم بقسط كبير في تراجع المطالب الثورية وفي انحسار سقف الشعارات التي كانت تطالب بتحقيق العدالة والاقتصاص من الجلاد والفاسدين، وتصفية إرث بن علي كاملا والتأسيس لدولة مدنية ديمقراطية.

 

 

مسارات الثورة الداخلية وانكسار بقية التجارب الثورية العربية، خاصة في مصر وسوريا، كان له أثر كبير على التجربة التونسية، كما أنّ التشرذم الكبير للقوى المحسوبة على المعارضة قد ساهم بقسط كبير في تراجع المطالب الثورية

ليس نظام بن علي وليد الانقلاب الطبي الذي قاده ضد العجوز بورقيبة في آخر أيامه، يوم السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 1987، بل هو نظام قديم تعود جذوره إلى نهاية الخمسينيات من القرن الماضي.

فبعد انسحاب القوات العسكرية الفرنسية من تونس، وضع نظام بورقيبة أسس الدولة التونسية التي بقيت في العمق تحت الوصاية الاستعمارية، خاصة في ما يتعلق بملف الثروات الباطنية والمحروقات والصناعة والسياسة الخارجية. كما عمد بورقيبة بعد تصفية رفاق النضال والمجاهدين الأحرار؛ إلى اتباع سياسة الأرض المحروقة في المناطق الداخلية التي بقيت إلى اليوم مناطق فقيرة محرومة من أدنى شروط التنمية البشرية والبنية التحتية. وقام من جهة أخرى بتكريس مبدأ الجهوية في المشاريع ومناطق التشغيل، وهو ما جعل مناطق بكاملها ترزح إلى اليوم تحت نير الفقر والبطالة والتهميش.

خرج بن علي من رحم البورقيبية بمباركة دولية، وواصل نهج سلفه الذي كرّس مبدأ سطوة العائلة والأقارب على قطاعات الدولة الحيوية، وتم توزيع الثروة والأراضي والمشاريع على عائلات بعينها؛ لا تزال تحكم تونس إلى اليوم، بعد أن كونت شبكات معقدة من المصالح في كل مرافق الدولة وأجهزتها، خاصة في الإعلام والأمن والاقتصاد. كما صنعت هذه العائلات واجهات سياسية على صورة أحزاب كرتونية؛ تعمل على اكتساح المشهد السياسي مدعومة بالمال الفاسد والأجندات المشبوهة.

لكن أعظم نجاحات بن علي ومن قبله بورقيبة؛ إنما يتمثل في تفتيت المشهد السياسي المعارض، وهو الذي نجح أولا في قمع الاسلاميين وترويض بعضهم، ثم نجح في استمالة القوى اليسارية والقومية والليبرالية التي تحولت في أواخر عهده إلى أذرع مباشرة لنظامه السياسي. كان دور هذه الأحزاب والكتل السياسية هو الإيهام بالمعارضة وبوجود حياة سياسية حقيقية في تونس، مما أضفى على نظام الدكتاتور بن على شرعية دولية.

 

 

 

أعظم نجاحات بن علي ومن قبله بورقيبة؛ إنما يتمثل في تفتيت المشهد السياسي المعارض، وهو الذي نجح أولا في قمع الاسلاميين وترويض بعضهم، ثم نجح في استمالة القوى اليسارية والقومية والليبرالية التي تحولت في أواخر عهده إلى أذرع مباشرة لنظامه السياسي

الثورة ومنطق الواقع الجديد

كانت الثورة وكذلك هروب بن علي مفاجأة للجميع، شعبا وأحزابا وسلطة ومعارضة، ولم يكن أحد يتوقع أن يكون النظام الدموي بهذه الهشاشة. لكن من جهة أخرى؛ خلق هذا الهروب واقعا جديدا غير متوقع أيضا، فقد وجدت أحزاب وشخصيات كثيرة نفسها في السلطة دون خبرة كبيرة لها بها، كما كان الواقع الجديد بعد الثورة عالي السقف من حيث المطالب الثورية؛ التي كانت تعتقد أنها قد طوت إلى الأبد صفحة نظام الاستبداد البورقيبي والنوفمبري على حد سواء.

منذ هذه اللحظة تقريبا بدأت الانشقاقات والصراعات تطفو على سطح الواقع السياسي للأحزاب والكتل والتيارات السياسية والفكرية؛ التي رأت في المشهد الجديد فرصة تاريخية نادرة قادرة على أن تعوضها حرمان السنين العجاف الماضية.

تناست القوى المعارضة قدرة الدولة العميقة على التشكل من جديد، وتفرغت لصراعاتها البينيّة التي انتهت بها اليوم إلى كتل متنافسة على حطام الدولة والمجتمع والاقتصاد؛ في الوقت الذي رمم فيه النظام القديم قواه واستعاد المشهد من جديد، مستفيدا من المنصات الإعلامية التي كرست كل وقتها وجهدها في شيطنة الثورة، والتذكير بمحاسن الاستبداد.

 

 

 

تناست القوى المعارضة قدرة الدولة العميقة على التشكل من جديد، وتفرغت لصراعاتها البينيّة التي انتهت بها اليوم إلى كتل متنافسة على حطام الدولة والمجتمع والاقتصاد؛ في الوقت الذي رمم فيه النظام القديم قواه واستعاد المشهد من جديد

كانت السلطة محرقة الأحزاب، ولا تزال، حيث اصطدمت القوى الثورية بمتطلبات واقع يختلف عن الواقع الذي كانت تنادي بتغييره من فوق أبراجها العاجية. كما اصطدت النخب المعارضة مع بعضها البعض حتى داخل الحزب الواحد، فاختفت أحزاب وشخصيات، وتراجعت مدارس وقوى كانت بالأمس القريب تستحوذ على مخيال التونسيين ووعيهم.

لم تدرك القوى السياسية التونسية المعارضة أن الواقع الجديد هو واقع اقتصادي واجتماعي بالدرجة الأولى، وليس واقعا سياسيا؛ لأن أولويات المواطن اليوم تتمثل في التشغيل والقدرة الشرائية وتحسين ظروف التعليم والصحة والنقلـ وغيرها من أولويات الحياة اليومية. بناء عليه، كان تأجيل الصراعات السياسية والاختلافات الفكرية شرطا أساسيا من شروط تخفيف الاحتقان الذي يعصف اليوم بالمسار الثوري ويكاد يودي به.

الممكن والمتاح

لكن من جهة أخرى، تعدّ التجربة التونسية أنجح التجارب الثورية إذا ما قورنت بمثيلاتها في المنطقة العربية، والتي انتهى بها المطاف إلى صراعات مسلحة ومعارك دامية وانقلابات عنيفة. لكن رغم ذلك، لا يمكن فصل المشهد في تونس عن السياق الإقليمي، خاصة مع تورط القوى العربية الداعمة للانقلابات في مساندة مساعي الدولة العميقة لاستعادة النظام القديم كاملا، كما حدث الأمر في مصر.

 

 

 

لا يمكن فصل المشهد في تونس عن السياق الإقليمي، خاصة مع تورط القوى العربية الداعمة للانقلابات في مساندة مساعي الدولة العميقة لاستعادة النظام القديم كاملا، كما حدث الأمر في مصر

تنشط القوى التابعة لدولة الإمارات بشكل خاص في تمويل أذرع النظام القديم بشكل علني ومفضوح، وهي لا تخفي سعيها إلى الانقلاب على الثورة التونسية، متعللة بمحاربة الإسلاميين تارة وبمحاربة الإرهاب تارة أخرى. كما تسعى قوى إقليمية ودولية أخرى إلى إفشال التجربة التونسية، فتلحقها ببقية التجارب الأخرى، وتحافظ على سيطرتها الكاملة على موارد البلد وثرواته الطبيعية والبشرية.

لكن لا تزال أمام القوى السياسية في البلاد فرصة كبيرة لتدارك أخطاء الماضي وإصلاحها، والوعي بمستحقات المرحلة التي تتطلب أول ما تتطلب وضع الاختلافات الفكرية والمطامح الفردية جانبا، والسعي إلى إفشال مخططات النظام القديم وخلاياه النائمة والمتيقظة. لن يكون ذلك ممكنا دون انسحاب الوجوه المعارضة القديمة التي استنفدت حقها وقدراتها خلال السنوات العشر الماضية، والدفع بوجوه شابة جديدة تستطيع حمل المشعل ومواجهة النظام القديم بأدوات جديدة.

هذا الفعل سيحقق أهدافا كثيرة؛ لعل أهمها طرح الصراع التاريخي والأيديولوجي جانبا، ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية وفقا لمبدأ الكفاءة والقدرة، وليس بناء على مبدأ الولاء والقرب من هذا أو ذاك.

دون ذلك ودون مراجعات حقيقية وتقييم جدي للمرحلة السابقة؛ فإن المشهد سيراوح مكانه، وسيبقى مفتوحا على كل الاحتمالات التي أخطرها هو استحواذ النظام القديم على السلطة من جديد، والعودة إلى المربع الأول.