ملفات

مصر.. الاستقلال والحرية مطلبان لثورتي 1919 ويناير 2011

الهلباوي: جوهر ثورة 1919 في مصر هو إنجاز الحرية وتحقيق الاستقلال (عربي21)

أجمعت المصادر المعتبرة في تأريخها لثورة 1919 التي تمر هذه الأيام ذكراها المئوية، عن أن جناحيها الأساسيين كانا هما الاستقلال والحرية ولم يتحققا كاملا حتى الآن بعد مرور مائة سنة على تلك الثورة الشعبية العظيمة، كما يرى بعض المتابعين والمحللين.
 
من أهم المصادر التي قدمت لنا تلك الثورة العظيمة في التاريخ كتاب المغفور له عبدالرحمن الرافعي. وفي هذه المناسبة العزيزة، جاءت مبادرات وكلمات واحتفالات ولقاءات ومراجعات كان من أهمها، كلمة ومبادرة الدكتور أيمن نور من تركيا، حيث تنطلق وتعاني المعارضة المصرية بعد ثورة يناير الحضارية ويونيو التصحيحية التى تراها تيارات في الأمة انقلابا عسكريا، وكل له رأيه وتقديره. ومبادرة الأستاذ محمد سيف الدولة من داخل مصر كذلك، التي جاءت تعبيراً مختصراً ودقيقا عن ثورة 1919.

أسباب ثورة 1919:

كثرت أسباب تلك الثورة، وأهمها أساسا، الاحتلال البريطاني لمصر منذ 1882، مما استدعى الشعب المصري بجميع طوائفه وانتماءاته، إلى الاحتجاجات والمظاهرات، كلما سنحت له الفرصة ضد المحتل الغاشم ومن يتعاون معه من الحكومة أو الأحزاب أو من الشعب دون انتماء. وقد زادت تلك الاحتجاجات والمظاهرات وخصوصا الطلابية منها بعد الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)، التي لم يكن للمصريين ولا للعرب فيها ناقة ولا جمل، وأقحموا فيها إقحاما. 

وقد بلغ تذمر الشعب المصري منتهاه من الاحتلال، وإلغاء الدستور، وفرض الحماية، وإعلان الأحكام العرفية، وقد ذاق المصريون حتى بعد الحرب، مرارة الحجر عليهم ومنعهم من الإتصال برعايا ألمانيا والنمسا وتركيا، بسبب هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى. وكما هو معلوم فإن المنتصر يملي شروطه مهما كانت قاسية، والمهزوم يقبل أو يقاوم كلا أو جزءاً.

 

الثورات مصدر واسع للدروس والعبر لكل الشعوب حكاما ومحكومين، بل وللاحتلال والقوى الغاشمة، والقوى الوطنية، والعميلة أو المستسلمة على حد سواء


ثم جاء نفي الزعيم سعد زغلول ورفاقه مما أشعل تلك الثورة العظيمة. لم تكن الثورة دينية ولا اجتماعية ولا اقتصادية بل كان لها هدفان أساسيان هما الاستقلال والحرية. وهذان هما أساس التنفس عند الشعب، ولذلك انضم لها الشعب، وكانت قيادتها تمثل زعامة الأمة، وخصوصا عند القبض عليهم وبعد الإفراج عنهم وسفرهم إلى باريس ثم لندن للتفاوض. تحققت بعض المكاسب للشعب المصري نتيجة ذلك التفاوض، ولكن الظلم بات مستمرا والاحتلال ظل قائما.
 
من النتائج الإيجابية آنذاك للثورة كان إلغاء الحماية والأحكام العرفية دون الاستقلال التام المأمول. ومن النتائج كذلك دستور 1923 العظيم. طبعا المنتصر يقرر شروط الصلح والتفاوض وكثيرا من العوامل الفاعلة في المستقبل. وكان في مقدمة نتائج تلك الثورة استعادة لحمة الجماعة الوطنية وتعانق الهلال والصليب في الأزهر الشريف، كما تقول المصادر التأريخية، وكما يقول الدكتور أيمن نور. وهذا أهم عناصر النجاح في الأزمات ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية. وكان للشهداء والتضحيات أثرها الكبير في استمرار الثورة، وكذا الشعارات التي كانت تطالب بالحرية والجلاء والاستقلال التام أو الموت الزؤام، وشعار الحق فوق القوة، والأمة فوق الحكومة.

ثورة لها ما بعدها عربيا

كما كان من نتيجة تلك الثورة العظيمة، ثورات أخرى في المنطقة العربية من شرقها إلى غربها، ومنها ثورة العشرين بالعراق وثورة الريف بالمغرب العربي، وثورة ليبيا والثورة السورية الكبرى وثورات فلسطين والانتفاضات العديدة. كانت كلها أساسا للخروج من الاحتلال وتحقيق التحرر والاستقلال. كما كان من نتائج تلك الثورة العظيمة قيام حزب الوفد في مصر للدفاع عن مكتسبات الثورة كمظلة جامعة للشعب بل الأمة. كما كان بيت أو مكتب الزعيم الراحل سعد زغلول، هو بيت الأمة، وكانت زوجته رحمها الله تعالى أم المصريين جميعا، أي أن الأمة رجالاً ونساء كانت في اتجاه واحد صحيح.

ويرى المفكرون المستقلون الوطنيون في مصر اليوم، وفي مقدمتهم الأستاذ محمد سيف الدولة، أن ثورة 1919 فيها كنوز من الخبرات لا تزال في أمس الحاجة إلى التعلم منها والاستفادة منها، وذلك نظرا لحاجتنا الدائمة إلى قيم المقاومة والثورة والنضال الوطني.

تركت لنا ثورة 1919 ميراثا قويا وقضايا عديدة تدعو الشعوب وخصوصا العربية، اليوم بل الأمة بل والحكام ملوكا ورؤساء وسلاطين إلى تدبرها والوقوف عندها والتعلم منها. كل بقدر مسؤوليته ووطنيته، ذلك حتى لا يكون المصير كئيبا أو مظلما، كما يُبين لنا التاريخ، والقراءة المنصفة لأحداثه ووقائعه. 

صحيح تم الاستقلال في منتصف الخمسينيات ولكنه لم يكن كاملا. رحل المحتل ولكنه ترك وراءه إرثا ثقيلا، تحتاج الأمة إلى التخلص منه، ومن ذلك كما يعلم الجميع قضية فلسطين، والقابلية للاستعمار التي حذر منها الراحل الكريم مالك بن نبي رحمه الله تعالى، وزاد الإرث الثقيل في ضوء الهيمنة الأمريكية  والغربية اليوم، وطغيان الصهيونية، ومسارعة العالم العربي للدخول في مشاريع الهيمنة والصهينة والتطبيع والسلام المزعوم أو الموهوم، والصفقات المشبوهة.

 

ثورة 1919 فيها كنوز من الخبرات لا تزال في أمس الحاجة إلى التعلم منها والاستفادة منها


ومن هنا برزت المبادرات العديدة والمشروعات المقترحة لخروج الأمة من وحدتها، بل وانحطاطها، كما قال ـ في الهند ـ الشيخ الندوى رحمه الله تعالى. إذن مفهوم الأمة الواحدة، والجماعة الوطنية الواحدة، والزعامة الواحدة، ضرورة من ضرورات الاستقلال، فهما وممارسة.

هذه الذكرى العزيزة، عند العقلاء، يجب أن تحفزنا إلى الوقوف صفا واحدا في وجه التحديات، حسب أولويات دقيقة وأهداف واضحة، ومراجعات وتصويبات دقيقة لمسيرة المائة سنة الماضية، بعيدا عن التحزب المقيت والتعصب الأعمى، والتطرف والتخلف والفساد والانقسام المجتمعي الواضح، وتقديم المصالح الضيقة على الأهداف العامة. وهذا الذي يراه الجميع ولا يعبر فوقه. بل أصبح ذلك داخل كل من التيارات على حدة. وأول خطوة على الاتجاه الصحيح تتمثل في الحوار الجاد والاستماع إلى الآخر، والابتعاد عن التخوين والشك والاتهام بالباطل والظن السيء والتأويل الخاطئ حتى ظهر الغلو والتكفير. أما الخروج من الصراع فقد أصبح ضرورة ولازمة كما أرى اليوم، لأنه يضيع كثيرا من الثروات البشرية والمادية وكثيرا من الوقت دون طائل، وتحقيق مطالب المشاركة الوطنية الواسعة للوقوف صفا واحداً في وجه التحديات وفق الأولويات في العلاج المطلوب.

ولقد تقدمت في العام الماضي بمبادرة السلم المجتمعي فى ضوء تشاور مع بعض المعنيين في الأمة، كما تقدمت في بداية هذا العام 2019، كذلك بمبادرة الطريق الثالث. وكلا المبادرتين تدعوان إلى الخروج من الصراع والدخول في الحوار، وتحديد العدو الحقيقي وليس العدو المتوهم، وتجميع الجهود والإمكانات لمواجهة العدو الحقيقي، حتى نحقق السلام والحرية والاستقلال والنهضة.

 

ثورة 1919، وما تلاها من ثورات في العالم العربي، وفي المقدمة ثورات الربيع العربي مصدر معين للدروس والعبر


وقد أحسن الرجلان الدكتور أيمن نور، الوريث الحقيقي للوفد وبيت الأمة رغم هجرته عن الوفد وعن مصر، والاستاذ محمد سيف الدولة، الراسخ في موقفه المنطقي ضد الهيمنة والصهيونية، لأن الرجلين اتفقا رغم بعد الشقة، في تشخيص الأمراض الحالية في مصر والأمة، واتفقا في المطلوب من الشعب، وفي المشروع الواجب اليوم للمستقبل، استفادة من الذكرى المئوية للثورة العظيمة 1919.

أما بخصوص الأمراض الحالية، فتتمثل ـ باختصار شديد ـ في الفرقة وغياب الشراكة الوطنية، وغياب القواعد المشتركة والانقسام في المجتمع وشق الصفوف وارتهان القرار الوطني بالصهيونية وغيرها من الدول وبعض الكيانات الصغيرة في الأمة.

أما المطالب فتتمثل، في الاستقلال الجديد من حكم الاستبداد والطغيان والحكم العسكري، والتحرر من مظاهر الخوف والاعتقالات والاعدامات السياسية، والهيمنة الخارجية، ورفض التعديلات الدستورية الكارثية، ورفض القيود على الحريات، وخصوصا حرية الرأي والتعبير.

وأما المشروع الوطني الواسع الواجب اليوم، فيتلخص في الحوار حول طبيعة المظلة الجامعة، سعيا نحو الوحدة الوطنية، واستعمال سلطان العقل والضمير الوطني.

 

من الدروس المستفادة من الثورات، أن يتحمل كل مسؤوليته بشجاعة وإنصاف وعدل، ولا يلقيها على الآخرين،


طبعا الثورات مصدر واسع للدروس والعبر لكل الشعوب حكاما ومحكومين، بل وللاحتلال والقوى الغاشمة، والقوى الوطنية، والعميلة أو المستسلمة على حد سواء.

إن ثورة 1919، وما تلاها من ثورات في العالم العربي، وفي المقدمة ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن، والموجة الجديدة منها اليوم في السودان والجزائر، مصدر معين للدروس والعبر لمن يريد أن يعتبر فيتعلم من الأخطاء، ويستفيد منها في العمل نحو المستقبل، تحديدا للتحديات والأزمات والقضايا، وإحسانا للأولويات في العمل حتى ينجح المشروع. أما موقع القيادة الرشيدة العاقلة التي تعبر فوق التحزبات الضيقة وتستفيد من الطاقات والإمكانات أحسن الاستفادة وتحسين اللغة والعمل، وتعبر بصدق عن أخلاق وتطلعات الشعوب، وخصوصا في الثورات فهو من عوامل النجاح الأساسية، وليس من الترف، ولا يستوجب الصراع بل الثبات والتضحية العزيزة. 

 

دروس مستفادة

وهكذا كان زعيم ثورة 1919 ورفاقه. كان الهدف واضحا والعزم قويا ضد الاحتلال رغبة في الحرية والاستقلال مهما كانت التضحيات. الظروف المحلية والإقليمية والعالمية، تختلف مكانا وزمانا، ولكن العقل الذي يحسن التقدير، تقصر معه الطريق الطويل. 

ومن الدروس المستفادة من الثورات، أن يتحمل كل مسؤوليته بشجاعة وإنصاف وعدل، ولا يلقيها على الآخرين، حتى على الأعداء أو المخالف للرأي (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).

ومن الدروس المستفادة أيضا، الثبات في الموقع والموقف، حتى تتحقق الأهداف والمصالح الكبرى، وإعطاء كل ذي حق حقه، حاكما أو محكوما، ظالما أو مظلوما. 

ومن أهم الدروس المستفادة، التعامل مع الثورة المضادة سواء أكانت قوى محلية، مضللة أو واهمة أو كانت قوى خارجية إقليمية أو عالمية، ومن ذلك حسن إدراك وتقدير القوى المؤثرة في التغيير وإدراك سنن النجاح والفشل سواء بسواء والسعي بل والنجاح في كسب ثقة الشعوب. والشعوب هي القوة الأصلية التي تتفرع عنها بقية القوى مدنية كانت أو عسكرية.
 
وقد أحسن المفكر المحترم محمد سيف الدولة وهو يركز على المطلوب من الحوار المقترح متفقا مع الدكتور أيمن نور، وقد لخص مهمة الحوار في الآتي دون أن تقتصر عليه: فتح وإدارة حوار وطني بين كل المصريين بدون استثناء. ويتناول الحوار المقرح والمطلوب، مصر وتاريخها وحاضرها ومستقبلها وثوابتها الوطنية وهويتها وحتى جيناتها الثورية وأسباب الثورات ومآلاتها وخصائصها والمشهد العربي والإقليمي والدولي بعد مائة سنة من الثورة.

وأقول: إن وضع أجندة الحوار الوطني، ومعرفة من يناقش ماذا، من عوامل النجاح والإبداع بعيدا عن الصراع والصداع والصراخ واللبن المسكوب.

إن النجاح للوصول إلى السلطة ليس هدفا في حد ذاته ولا ينبغي أن يكون هدفا، بل هو وسيلة لبناء وتحقيق حياة دستورية ديمقراطية معاصرة مستقرة حتى تكون سداً منيعا في وجه الاستبداد والصراع والهيمنة، مهما اشتدت المنافسات السياسية والحزبية ـ كما في موضوع البريكست اليوم في بريطانيا.

وهكذا كانت طلبات وأهداف الثورات كما تلخصت وتجسدت في ثورة 1919 ثم في ثورة يناير العظيمة، العيش والحرية والعدالة والكرامة الانسانية، وهذه الأهداف كلها وغيرها مشمول في مطلب إقامة حياة دستورية ديمقراطية معاصرة مستقرة. بما في ذلك القضاء المستقل وتداول السلطة سلميا كما تفعل دول الآن بعد خوضها غمار حروب عالمية من قبل. وعلى القيادات الوطنية القائمة أن تستطيع بالإجماع الوطني أن تسير مع تطلعات الشعوب حتى وإن تأخرت عن الإمساك بزمام المبادرة كما هو في الجزائر والسودان اليوم. بقية الدروس تحتاج إلى مقالات أخرى لإبرازها.