مقالات مختارة

مصر الجديدة (جدا)!

زياد الدريس
1300x600
1300x600
كتب زياد الدريس: قبل سنوات عديدة، تم تأسيس حي جديد في القاهرة سُمّي "مصر الجديدة". لم يغب عن ذهن محبي القاهرة أن وصف تلك المنطقة السكنية من أطراف القاهرة بـ"الجديدة" هي تسمية نسبية، نظرا فقط لابتعادها عن إطلالة النيل وازدحام الأزهر وأحبار مدبولي.

عدا عن ذلك، فقد انتقل الإنسان المصري القديم إلى مصر الجديدة، ونقل معه طبائعه ووجدانياته بأحزانها وفكاهاتها، وروائح الثوم بالملوخية المنبعثة من شبّاك المطبخ، والغسيل المستلقي على واجهة البلكونة المطلّة على شارع جاف.. لا نيل فيه.

وكنت قد كتبت مقالتي الأسبوع الماضي من القاهرة، أي من مصر القديمة جدا ومصر الجديدة / القديمة، قبل أن أخرج في اليومين الأخيرين إلى منطقة الساحل الشمالي، حيث تعرفت هناك على "مصر الجديدة حقا".

فمصر، التي وصفتها في مقالتي السابقة بأنها "تخوض نهار كل يوم مباراة بين الفقر والغنى، في نهاية اليوم يفوز الفقر طبعا فتخرج جماهيره العريضة في الشوارع كل مساء تحتفل فرحة، لا بفوزها على الغنى بل بفوزها على البؤس، فالانتصار على البؤس أهم من الانتصار على الفقر"، هي هنا، في المارينا والمراسي وبورتو وغيرها من المنتجعات الفاخرة، وجدتها تخوض مباراة من نوع آخر، تختلف فيها قواعد اللعبة، إذ لاعبوها من طرف واحد فقط وجمهورها من الطرف ذاته أيضا.

ولذا فبالطبع ستكون نتيجتها محسومة لمصلحة اللاعب الوحيد في الميدان!

في المنتجعات المصرية المتمددة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، من الإسكندرية شرقا حتى مرسي مطروح غربا، لن تشاهد مصر جديدة / قديمة كالتي على أطراف القاهرة، بل ستشاهد هنا مصر جديدة حقا يقطنها إنسان مصري جديد.

هنا 90 مليون مصري مختلف عن الـ 90 مليونا الذين رأيتهم في القاهرة. هنا مصريون لا يعرفون الفسيخ والفطير المشلتت، ولا يتذوقون الشاي الكشري أو الرز بلبن، وكثير منهم لم يسبق له أن زار الأهرامات أو جلس على طاولات حي الحسين الآيلة للسقوط منذ تصنيعها.

هنا جيل مصري جديد لم يعد مطربه المفضل عبد الحليم حافظ أو حتى عمرو دياب، بل هم يستمعون في النهار إلى أغان هابطة يسمونها (مهرجانات)، وفي الليل يحضرون حفلات الساحل الشمالي "للفنانة" هيفاء وهبي ... تخيّل!؟

مصر .. ذات الرحم العظيم الذي أنجب طوال عقود أفضل القراء وأميز الأدباء وأنجح الفنانين، بل وصنعت عددا من النجوم العرب الوافدين إليها، تتدهور ذائقة جيلها إلى هذه الدرجة.

أعرف بأن هذه موجة عالمية وليست مصرية أو عربية فقط، لكني توقعت أن مصر العريقة ستستطيع حماية أبنائها من التدهور الذي أصاب أبناء الآخرين. هكذا توقعت، أو تمنيت، بناء على قراءة مسار التنشئة الاجتماعية المصرية طوال عقود من التمنّع عن الانسياق خلف الصرعات.

في أحد مقاهي المارينا، جلست مع شابين مصريين لم يبلغا العشرين من عمرهما بعد. وجدتهما من الحوار مختلفين في كل شيء عن شباب مصر القديمة، كل شيء: الاهتمامات والميول والذائقة وطريقة التفكير وطريقة الحديث، لكنهما متفقان في شيء واحد فقط هو: أنهما لا يأبهان إن كان الرئيس هو مبارك أو مرسي أو السيسي.

لكن حجة شباب "مصر الجديدة جدا" في هذه اللامبالاة السياسية ليست لأن مستوى المعيشة لن يتغير، كما كان حال صاحب المركب (في مقالتي السابقة)، ولكن لأنهم يفكرون أصلا بالهجرة.

تهاجرون عن مصر إلى أين؟! لا ندري.

صاحب المركب وضعه أسهل، فهو هجر اليابسة إلى النيل فقط. شباب مصر الجديدة جدا سيهجرون اليابسة والنيل معا.

إذا تغيرت مصر قليلا، فالعالم يتغير بشدة!

(عن صحيفة الحياة اللندنية، 29 تموز/ يوليو 2015)
التعليقات (0)