الحوثيون

الصراع السعودي – الإيراني وأثره على اليمن

أضحت اليمن مسرحاً للصراع السعودي – الإيراني - أ ف ب
أضحت اليمن مسرحاً للصراع السعودي – الإيراني - أ ف ب
تسلط هذه القراءة الضوء على الصراع الإيراني – السعودي، مع التركيز بشكل خاص على سقوط العاصمة صنعاء بيد الحوثيين في 21 سبتمبر 2014م بالإضافة إلى طرح العوامل التي أدت إلى ذلك. كما تحاول قراءة التدخل السعودي الإيراني في اليمن ضمن إطار الصراع الإقليمي وإدخال المؤسسات الدينية المتنافسة في هذا الصراع.

العلاقات السعودية الإيرانية 

ارتبط الصراع السعودي الإيراني بعلاقة الطرفين بالولايات المتحدة الأمريكية . حينما كانت إيران على علاقة جيدة مع الولايات المتحدة في فترة الشاه , كانت علاقتها بالسعودية جيدة .

ففي هذه الفترة كان هناك تقارب سعودي إيراني خشية العراق، وتقارب عماني إيراني خشية اليمن الجنوبي (محمد حسنين هيكل , مدافع آية الله , قصة إيران والثورة , القاهرة , دار الشروق ,1982, صــ269). هذا التقارب كان من منطلق أيديولوجي لمواجهة البعث في العراق والماركسية في جنوب اليمن وعمان. وهو ما يؤكد أن الصراع كان صراعاً أيديولوجياً وخاصة بعد قيام الثورة الإسلامية فيما بعد.

في نهاية السبعينات وأوائل الثمانينيات انطلقت الثورة الإسلامية في إيران، وبدأت طهران في تصديرها ودعم المعارضة الشيعية في بعض البلدان. في هذه الفترة غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان فعملت السعودية على تجنيد المجاهدين العرب وتصدير الفكر الوهابي. فمثلما كان هناك خطر تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية كان هناك خطر تصدير الفكر الوهابي، وهما الفكران اللذان سيتصارعان فيما بعد على أساس شيعي وسني في بلدان كثيرة ومنها اليمن.

في هذه المرحلة بالذات، أي مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، عاد الشيخ مقبل بن هادي الوادعي إلى صعدة قادما من المملكة العربية السعودية مؤسساً دار الحديث هناك لنشر الفكر الوهابي، وخرج من صعدة متجهاً إلى إيران حسين بدر الدين مع والده بدر الدين الحوثي .

مع مطلع الثمانينيات من القرن العشرين اندلعت الحرب بين العراق وإيران وانقلبت المعادلة – هنا – في العلاقات حيث وقفت المملكة إلى جانب العراق. وظلت المواجهة بين السعودية وإيران عبر وسيط آخر هو العراق. يقول محمد ضياء عيسى : " كان النظام السعودي منزعجاً من إشعاعات الثورة الإسلامية الإيرانية على الداخل السعودي الشمولي من ناحيتين: ناحية الاضطهاد الذي يمارسه الوهابيون على أبناء الطوائف الأخرى بضمنها الطوائف السنية غير الوهابية، وناحية دعم القضية الفلسطينية دعماً حقيقاً ... فقد حولت طهران السفارة الإسرائيلية بعد قيام الثورة إلى سفارة فلسطين". ويضيف "استغلت الحكومتان الأمريكية والإسرائيلية ذلك الانزعاج السعودي من الثورة، فدفعت النظام السعودي نحو الصراع الإيراني". 

ومما لاشك فيه أن الصراع كان ذا بعد قومي استخدم الإسلام فيه ليكون محفزاً ومستقطباً. فمن المعلوم أن لإيران شخصية تاريخية وحضارية استمرت عبر العصور مع كل التطورات والإحداث على عكس الدولة العثمانية التي زالت بالرغم من ارتباطها بالإسلام وبالخلافة الإسلامية. فقد ذهب وجيه كوثراني إلى أن "إسلامية إيران تخترقها بطريقة من الطرق قوميتها . ولا نكون بعيدين عن الواقع إذا قلنا أن التيار الإسلامي نفسه في إيران يحمل نبرة قومية إيرانية" (وجيه كوثراني , الإدراك المتبادل بين العرب والإيرانيين . المستقبل العربي العدد ( 202 ) , ديسمبر 1995 , صــ 61 ). فإيران تسعى أن تكون مركزاً لاتخاذ القرار نيابة عن الآخرين أو وصية عليهم. فالسياسة الإيرانية في اليمن لا تختلف كثيراً عن السياسة السعودية، حيث تدثر الإيرانيون والسعوديون بالشعارات البراقة فكان ملعبهم الورقة الطائفية.

صحيح أن إيران حاولت تصدير الثورة إلى اليمن منذ فترة مبكرة  لكنها – كما يقول نبيل البكيري: "أخفقت في تحقيق أهدافها لأسباب عدة ، في مقدمتها تمايز الحالتين الشيعيتين الزيدية يمنياً والإثنى عشرية إيرانيا".

إيران والمملكة تواجهتا لسنوات في اليمن. لكن الفرق أن إيران تمتاز سياستها بالنفس الطويل والرؤية الإستراتيجية الواضحة، فهي تلعب السياسة بعيداً عن ردود الفعل المؤقتة. وحينما فشلت المملكة في تحديد أولوياتها قفزت إيران لملء هذا الفراغ، فسياسة المملكة في اليمن لم تكن قائمة على مشروع بل على رؤى فرضتها صراعات المنطقة. وظلت القوى التقليدية، لا الدولة، هي الفاعل في هذه العلاقات، أقصد النخب القبلية وجزء من صانعي القرار الذين تعاملوا من خلال المصالح الأنانية . كانت هذه النخب تتعامل مع السعودية والغنيمة هي الهاجس. السياسات السعودية لم تكن تملك إستراتيجية واضحة المعالم مما قوض الدولة وقوى النخب القبلية وخاصة المتواجدة في شمال الشمال. 

الصراع من أجل الهيمنة 

أدركت إيران أن الثورة الإسلامية لا يمكنها أن تمتلك شروط الاستدامة الثورية إذا ما حصرت نفسها في زمان ومكان محددين. فهي من الناحية المكانية سعت إلى توسيع الثورة وتعميمها وإقامة علاقات غير متكافئة واستغلالية بين مركز الثورة و أطرافة.

أما السعودية فقد عانت من مشكلة لدى صناع القرار، إذ أنهم لم يدركوا أن اليمن هي نقطة ضعف السعودية في حال تركه لمشاكله، وأنه سيمثل بالنسبة لأعداء المملكة سلاحا فاعلا لإضعافها وإنهاكها.

ولاشك أن اليمن يمثل أهمية كبرى بالنسبة لإيران أو للسعودية. فإيران ترى في اليمن مجالاً حيوياً لنظام ولي الفقية، وسلوكها قائم على رؤى جيو إستراتيجية، وتاريخ اليمن ارتبط بالتشيع لآل البيت وأغلب الدول التي نشأت في التاريخ الإسلامي كانت تؤسس شرعيته على فقه التشيع بما في ذلك الدول السنية، كما أن الفئات الهاشمية كانت تحظى في اليمن بشماله وجنوبه بمكانة متميزة، ورغم أن ثورة سبتمبر 1962م كانت قوة قاهرة للتشيع بفعل أفكارها الجديدة المتحيزة للعدالة والمساواة والتحرر من التقاليد البالية إلا أن الفاعلية الهاشمية ظلت متواجدة وكانت حركتها محكومة بالفعل الثوري إلا أن تحولات الصراع وتناقض المصالح جعلت جزءا من القوى الهاشمية تعيد قراءة التاريخ لصالح تحيزات عرقية خفية، وكانت الحوثية أعلى تجليات الظاهرة في اللحظة الراهنة .

لهذه  الأسباب صارت إيران لاعباً أساسياً في اليمن واستطاعت أن تقود معركتها بآليات خفية وتحركت خلف حجب كثيرة كانت تبدو أنها طبيعية وتلقائية؛ لكن محصلتها النهائية جعلت اليمن قوة فوضوية متوافقة مع المتطلبات الإيرانية .

من الواضح أن إيران تقدر أهمية اليمن بالنسبة لها، فهي تريد موطئ قدم على حدود السعودية وساحل البحر الأحمر. تريد إيران أن تكون حارسا للممرات المائية الإستراتيجية في الشرق الأوسط، فهي تسيطر حالياً على مضيق هرمز وتريد الاستحواذ على باب المندب. فهي تنشر غواصاتها وسفنها الحربية قبالة سواحل اليمن في خليج عدن والبحر الأحمر بدعوى مكافحة القرصنة. إن إيران تلعب في الساحة اليمنية بحذر، فلم يستطيع أحد حتى هذه اللحظة تقديم دليل قاطع بشأن الدعم الإيراني على الرغم من إعلان الحكومات اليمنية اعتقالها لجواسيس إيرانيين إلا أن أيا من هذه الحكومات لم تقدم أي منهم لمحاكمة علنية أو تعلن حتى أسماءهم. 

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا نجحت ايران في اليمن واخفقت السعودية، الحقيقة أن ايران تمتلك سياسة واضحة وسفاراتها مفتوحة أمام الجميع، على عكس السعودية، فسياساتها متقلبة ترتبط بالقبائل وتزيح النخب المدنية والمثقفة، سفاراتها مغلقة ولا تفتح الا لشيوخ القبائل، إضافة الى ذلك فإن الذين يمسكون بملفات اليمن من قبل السعودية لايتغيرون ولا تتغير الآليات المعتمدة. المذهب الوهابي خلق رفضاً للزيدية في اليمن مما جعل هؤلاء يمنيين قبل أن يكونوا زيوداً، وهم أقرب الى السعودية أكثر من قربهم لايران. اعتمدت السعودية على القوى القبلية والدينية -  كما قلنا -  على حساب القوى المدنية.

وعلى كل حال، فقد أضحت اليمن مسرحاً للصراع السعودي – الإيراني. هذا الصراع أعاق التحولات الديمقراطية التي كانت اليمن قد بدأتها في العقد الأخير من القرن العشرين حينما توحد الجنوب مع الشمال.

الممارسات الخاطئة للسعودية كانت تصب لصالح الإيرانيين. إضافة إلى أن قوانين العمل الجديدة التي انتهجتها المملكة والتي أدت إلى خروج أعداد كبيرة من اليمنيين من الفئات الشابة أستطاعت إيران أن تستقطبهم من الحدود السعودية اليمنية عن طريق الحوثي وتحويلهم إلى مقاتيلن داخل الحركة الحوثية.

ولسنا بحاجة للقول إن مشكلة اليمن لاترتبط  فقط بالصراع الإيراني- السعودي بل هناك عوامل أخرى، أهمها عجز النخبة السياسية اليمنية عن تحقيق الانسجام بين مكونات المجتمع اليمني. ولأسباب تاريخية وعوامل موضوعية,فقد عملت النخب السياسية في اليمن كوكيلة لقوى إقليمية أو دولية ومنها إيران والسعودية.

وأخيراً يمكن القول إن إيران والسعودية اليوم، وأكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى تحديد المصالح المشتركة، وإلى عقلانية العقلاء لإنقاذ مايمكن إنقاذه في اليمن. فنحن نعلم أن القرار لم يعد بيد اليمنيين. هناك قوى كثيرة تتجاذبه لكن أهم قوتين هما، المملكة وإيران. 
إذا أستمر الصراع السعودي الإيراني على اليمن وبقي الجيش ضعيفاً ولم تشكل حكومة قوية ولم تذهب القوى السياسية نحو المصالحة الوطنية، فإن منحنى العنف سيرتفع، وسينهار الجيش بسبب اختراقه من قبل المليشيات وضعف الولاء لدى بعض عناصره أو بسبب إعمال منطق الإقصاء المناطقي.

تعتبر قضيتا الاستقرار والصراع في اليمن من القضايا الحاكمة لمستقبل الدولة اليمنية. وهذا الأمر مرتبط بعاملين، يتعلق أولهما بكيفية إدارة القوى السياسية خلافاتها، ومدى ابتعادها عن المحرك الإقليمي أو الدولي. ويتعلق العامل الثاني بأداء رئيس الحكومة، فإذا كان أداء الرئيس ضعيفا فإن الأزمة ستستمر وستظل التدخلات قائمة وسيظل اليمن تابعا لإيران والسعودية ومن خلفهما أمريكا وبريطانيا. نحن أمام مرحلة ذات أهمية خاصة في تحديد مستقبل الصراع والإستقرار في اليمن، فضلا عن وضع الأسس المحددة لعلاقات اليمن إقليمياً ودوليا.
التعليقات (1)
أحمد حمدي
الإثنين، 02-02-2015 03:49 ص
ابحث عن اصحاب المصلحه في تفتيت الوطن العربي