سياسة عربية

اغتيال أبو مارية القحطاني "المثير للجدل".. من قتل الرجل الثاني في "هيئة تحرير الشام"؟

القحطاني يعد الرجل الثاني بعد الجولاني ومهندس قرارات "هيئة تحرير الشام"- منصة إكس
القحطاني يعد الرجل الثاني بعد الجولاني ومهندس قرارات "هيئة تحرير الشام"- منصة إكس
زادت عملية اغتيال القيادي في "هيئة تحرير الشام" أبو مارية القحطاني من تعقيد المشهد في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، التي شهدت تظاهرات مناوئة "للهيئة" وزعيمها أبو محمد الجولاني.

وقتل القحطاني وهو عراقي الجنسية بتفجير في منطقة خاضعة لسيطرة "هيئة تحرير الشام" في بلدة سرمدا بريف إدلب.

وأعلنت "هيئة تحرير الشام" في بيان نشرته مؤسسة أمجاد الإعلامية التابعة لها، "استشهاد الشيخ أبو مارية القحطاني جراء هجوم غادر باستخدام حزام ناسف، نفذ على يدي عنصر ينتمي لتنظيم داعش الإرهابي"

من جانبه ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان "أن أبو مارية القحطاني قتل، وأصيب اثنان من مرافقته بجروح خطيرة، نتيجة تفجير انتحاري". 

ولم تعلن أي جهة على الفور مسؤوليتها عن مقتل القحطاني.

إظهار أخبار متعلقة



ويعد القحطاني الرجل الثاني في "هيئة تحرير الشام" جبهة "النصرة" سابقا ومن أعضائها المؤسسين، الذين كان لهم دور بارز في الساحة السورية، خصوصا خلال الفترة التي شهدت قتالا شرسا بين المعارضة السورية المسلحة وتنظيم الدولة.

إظهار أخبار متعلقة



الانفجار الغامض
وذكرت مصادر مطلعة لـ "عربي21”، أن القحطاني قتل مساء الخميس، بعد أن قدم له شخصان هدية عبارة عن "سيف عربي" وحدث الانفجار الغامض بعد ذلك، ما أدى لمصرعه على الفور، وإصابة مرافقه عمر الديري، والدكتور يوسف الهجر المعروف باسم أبو البراء، وثمانية أشخاص آخرين.


وتضاربت الأنباء حول طبيعة الانفجار، إلا أن المصادر رجحت أن يكون التفجير تم بواسطة انتحاري، وهو ما أشارت له "هيئة تحرير الشام" في بيانها، كما أن فرضية الهدية المفخخة دحضتها الصور المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وذكر ناشطون سوريون، "أن الانتحاري كان عضوا في جماعة (حراس الدين المقربة من تنظيم الدولة)، التي كانت هدفا لهيئة تحرير الشام خلال السنوات الماضية".



اغتيال بعد اعتقال
في آب/أغسطس الماضي، اعتقلت "هيئة تحرير الشـام" القحطاني بتهمة "العمالة لجهات خارجية"، قبل أن تطلق سراحه في الثامن من آذار/ مارس الماضي بعد تبرئته من التهمة.

وشكلت "الهيئة" بعد اعتقاله لجنة تحقيق خاصة لمساءلة القحطاني، مبينة "أنه أخطأ في إدارة تواصلاته دون اعتبار لحساسية موقعه أو ضرورة الاستئذان وإيضاح المقصود من هذا التواصل"، في إشارة إلى تواصله مع التحالف الدولي.

وعقب إطلاق سراحه قالت "الهيئة"؛ إن القرار جاء"بعد الاطلاع على قضية (المتهمين بالعمالة) وبعد ثبوت براءة من كان موقوفا في هذه التهمة، ولأن الموقوف ميسر الجبوري تم توقيفه بناء على شهادات وردت من موقوفين على هذه التهمة، ولأن الدليل الذي أوقف لأجله ظهر للجنة بطلانه".

وأفرجت "هيئة تحرير الشام" بالتزامن مع إطلاق سراح القحطان، عن العشرات من الموقوفين من عناصر الهيئة وقادة جناحها العسكري.

من يقف وراء العملية؟
يقول الكاتب والباحث في شؤون الجماعات المسلحة رائد الحامد؛ "إنه من الصعب معرفة الجهة التي تقف خلف اغتيال القحطاني لمعرفة المستفيد من اغتياله".

وأضاف في حديث لـ "عربي21": "في كل الأحوال، المستفيد الأكبر من مقتله القيادات في الصفوف المتقدمة في هيئة تحرير الشام، التي تتنافس على السلطة والنفوذ في مرحلة إعادة ترتيب صفوف الهيئة التي تشهد وحدة صفها خللا فادحا، بعد مساءلات ما يعرف بملف العمالة الذي طال قيادات عليا في الهيئة، كان أبرزهم القحطاني الذي أعاد الجولاني النظر فيه بعد ما تبين له عدم اعتماد أسس دقيقة في توجيه الاتهامات، التي على ما يبدو كانت تفتقر إلى الأدلة الثبوتية اليقينية".

وتابع، "أن ذلك دفع إلى اتخاذ قرار تسوية الملف قضائيا، والحكم ببراءة معظم المتهمين، والإفراج عنهم دفعة واحدة بعد سبعة أشهر من الاحتجاز والتحقيق".

ويشير الحامد، "إلى جانب هؤلاء، فإن تنظيم الدولة يعد مستفيدا هو الآخر لما عرف عن القحطاني بتصدره مشهد الحرب على التنظيم بوسائل شتى، منذ بدايات انشقاق جبهة النصرة سابقا عن التنظيم في نيسان/أبريل 2013، ومواصلة القحطاني الحرب على فكر التنظيم ومنهجه في الأوساط التي ينشط فيها داخل الهيئة وخارجها".

وبين الحامد، "أن القحطاني سعى لعرقلة جهود التنظيم في جذب جنود النصرة سابقا والهيئة لاحقا للالتحاق بصفوفه، خاصة في مرحلة ما بعد سيطرته على الموصل والرقة عام 2014، وحصوله على عشرات إعلانات البيعة من فروع القاعدة وباقي الفصائل الإسلامية حول العالم".

وتابع: "كما قاد القحطاني جزءا مهما من الحملة العسكرية في دير الزور في تلك المرحلة، التي انتهت بخسارة النصرة المنطقة ومغادرتها إلى درعا وإدلب، المعقل الرىيسي للهيئة حاليا".

وأردف: "لم تصدر أي جهة بيانا تتبنى فيه عملية الاغتيال حتى الساعة، كما أن تحديد الجهة الفاعلة سيظل مثار جدل إلى أن ينجح الجهاز الأمني للهيئة في القبض على الفاعلين".

إظهار أخبار متعلقة



ووفقا للحامد، "فيمكن القول بأن دائرة أعداء القحطاني واسعة جدا، أبرزها تنظيما حراس الدين والدولة، إلى جانب خصومه داخل الهيئة".

كما  تظل الأطراف الإقليمية والدولية بعيدة عن العملية، إضافة إلى أن الجيش الوطني أو قوات قسد لم يعرف عنهما تنفيذ مثل هذه العمليات، بحسب الحامد.

ويرى الحامد، "أن العملية لا تحمل بصمات قوى مسلحة تنشط في إدلب؛ سواء جماعات الأوزبك أو التركستان أو الخلايا التابعة للنظام والقوات الحليفة له".

تداعيات اغتيال القحطاني
وعن آثار مقتل القحطاني يقول الحامد: "بالتأكيد ستكون هناك تداعيات على غياب القحطاني عن قيادة الهيئة، خاصة أن لديه عمقا اجتماعيا في معظم مناطق انتشار قبيلة الجبور، ذات الحضور الواسع والثقل العددي المتميز، وهي قبيلة تدين بالولاء للقحطاني، التي دخلت في خلافات حادة مع الجولاني وأصدرت عدة بيانات ترفض توجيه الاتهامات للقحطاني بالعمالة، وتطالب الجولاني بالإفراج عنه".

وختم بالقول؛ "إن الهيئة التي تشكل العشائر الخزان الذي يرفد كتلتها البشرية، ستفقد أهم مصدر للتجنيد أو الجزء الأكبر منه".

من نينوى حتى إدلب
ينحدر القحطاني "ميسر علي موسى الجبوري" من محافظة نينوى شمالي العراق، ويعد من مؤسسي "جبهة النصرة" في سوريا.

ولد الجبوري عام 1976 وحاصل على شهادة دبلوم إدارة الأعمال من جامعة بغداد، بالإضافة إلى بكالوريوس في الشريعة الإسلامية.

وانخرط الجبوري عقب احتلال العراق في الجماعات المسلحة، التي كانت تقاتل القوات الأمريكية آنذاك.

وتذكر مصادر مطلعة لـ "عربي21”، أن الجبوري "القحطاني" كان عضوا في تنظيم القاعدة بالعراق، بزعامة الأردني أبو مصعب الزرقاوي، الذي يعد نواة تنظيم الدولة.

واعتقل الجبوري مرتين بين عامي 2004 و 2007 على يد القوات الأمريكية والعراقية، ووجهت له اتهامات بالانضمام للقاعدة.

وكان أحد مؤسسي "جبهة النصرة" برقة زعيمها "أبو محمد الجولاني" القادم من العراق، عام 2012، وتقلد عدة مناصب قيادية في الجماعة، وعرف حينها باسم "أبو مارية القحطاني".

إظهار أخبار متعلقة



صراع "حلفاء الأمس"
ويعد القحطاني من أشد المناوئين لتنظيم الدولة، خصوصا بعد إعلان البغدادي "دولة العراق والشام الإسلامية" عام 2013.

ويعد القحطاني ممن هندسوا إعلان "الجولاني" ولاءه لتنظيم القاعدة في أفغانستان بزعامة المصري "أيمن الظواهري"، حيث حمله تنظيم الدولة مسؤولية "الانشقاق".

وينظر للقحطاني بأنه المسؤول عن قرار "جبهة النصرة" في 2016 فك الارتباط بتنظيم القاعدة، وتشكيل جماعة جديدة تحت اسم “جبهة فتح الشام”، وتحولها إلى الجهاد المحلي، وحصر عملياتها داخل سوريا.

ومطلع عام 2017، اندمجت "جبهة فتح الشام" مع أربعة فصائل مسلحة في الشمال السوري تحت اسم “هيئة تحرير الشام”، عندها بات ينظر للقحطاني بأنه الرجل الثاني في الهيئة.

وبدا الخلاف واضحا مع القاعدة عندما دعا القحطاني في تموز/يوليو 2022 بعد مقتل الظواهري إلى حل تنظيم القاعدة، ووجه اتهامات عديدة للزعيم الجديد "سيف العدل".

ومنذ ذلك التاريخ بدأت "هيئة تحرير الشام" في تغيير خطابها الإعلامي وسرديتها للصراع والتخلي عن مفهوم "الجهاد العالمي"، ما فجر اتهامات للقحطاني بأنه السبب وراء هذه التغيرات الجوهرية، بإلإضافة إلى وقوفه وراء هجمات"الهيئة" المتعاقبة ضد الجماعات المرتبطة بالقاعدة في سوريا أو القريبة منها، وعلى رأسها جماعة "حراس الدين".

وتسيطر هيئة تحرير الشام على مساحات شاسعة في محافظة إدلب وأنحاء في حماة وحلب واللاذقية. 

ويخضع القحطاني لعقوبات أمريكية منذ العام 2012، وتتهمه وزارة الخزانة بأنه انتقل إلى سوريا في العام 2011 لنشر عقيدة القاعدة هناك، قبل توليه مناصب قيادية في "جبهة النصرة".
التعليقات (0)