كتاب عربي 21

الديكتاتور لا يكذب أبداً!

جمال الجمل
إلى أين ذهب وعود السيسي؟- صفحة الرئاسة على فيسبوك
إلى أين ذهب وعود السيسي؟- صفحة الرئاسة على فيسبوك
(تخفيف الأحمال)

يدخل الديكتاتور مندفعا إلى اجتماع مجلس الوزراء بينما يناقشون أزمات البلاد:

- أوقفوا هذا الهراء، لا وقت لثرثرتكم.. فأمور الدولة لا تحتمل التأجيل..

ثم يلتفت إلى رئيس الديوان قائلا: لقد وقّعت مرسوما عاجلا ستجده في غرفة نومي، اذهب وأحضره، ثم ينظر للوزراء: لقد قررت إغلاق صوامع الحبوب فوراً ومنع أي دعم للشعب.

* لكن..

- مفيش ولكن.. غداً ستبدأ المجاعة.. هذا قرار نهائي.

* لكن الشعب سيتألم وقد يتذمر..!

- شعب؟.. ألم يكن كلامي واضحا لك.. ليتألم من يتألم، ويتذمر من يجرؤ.. قراري واضح ونهائي: المجاعة غداً.. أعرف أن ذلك كارثة، وقد قررت أن تبدأ الكارثة غدا، ولن تنتتهي إلا في الموعد الذي أراه مناسباً. هذا برهان جديد على أنني حر، وقد جرت العادة أن تكون حريتي على حساب حريات الجميع، هذا طبعا أمر مهين، لكنكم تعرفون أن هذه الأمور المهينة صارت من طبيعة الأشياء في عهدي.

(المشهد التاسع في الفصل الثاني من مسرحية "كاليجولا" بتصرف يسير في الترجمة)

(الإمبراطور لا يحب الكاذبين)

تأخر كاليجولا على اجتماع النبلاء، ولما سألوا عنه، قالت خليلته سيزونيا: إنه يعاني من آلام شديدة في المعدة ويتقيأ دماً.

تحلق حولها النبلاء في اهتمام مبالغ فيه، وبدأوا فى إظهار الخزن والتعاطف والتوسل إلى الآلهة طلبا لشفائه.

قال لوسيوس: يا آلهتي الرحيمة سأتبرع بمائتي ألف دينار إذا منحتِه الشفاء.

وركع ليبيدوس على ركبتيه مبتهلا: يا إلهي جوبيتر.. امنحه الشفاء، وأنا أفديه بحياتي.

كان كاليجولا يقف في ركن قرب الباب يسمع كلام النبلاء، ثم دخل فجأة وهو يقول:

قبلتُ هديتك يا لوسيوس، سيمر عليك مسؤول الخزانة غدا لتحصيل المائتي ألف دينار، فقد استجابت الآلهة لنذرك. ثم عانق ليبيدوس وهو يسأله بتأثر: أتحبنى إلى هذا الحد يا ليبيدوس؟

قال النبيل بحماس: نعم يا سيدي القيصر، ومهما ضحيت في سبيلك يبقى قليلا.

يعانقه الإمبراطور مرة ثانية وهو يقول: أوه يا عزيزي.. هذا كثير، فأنا لست أهلا لهذا الحب العظيم.

ويشير الإمبراطور لاثنين من الحراس قائلا: خذوه، لكن ترفّقوا به، لأنه يحبني.. اذهب معهم يا عزيزي وتذكّر أن قلبي معك.

يسأله ليبيدوس منزعجاً: لكن إلى أين يذهبون بي؟

يرد الإمبراطور: إلى الموت يا عزيزي.. ألم تهبني حياتك فداءً لحياتي؟ لقد قبلت هديتك.

يولول ليبيدوس وتسري همهمات، فيتوجه كاليجولا لبقية النبلاء قائلا: الحياة صديقة صادقة، لذلك لا يجب أن لا يتعامل معها أحد باستخفاف، فعندما تخسر يجب أن تدفع.

يؤرقني سؤال في قصة محاسبة الطاغية لمساعديه الكاذبين: لماذا توقف الديكتاتور عند أكاذيب المنافقين وعاقبهم عليها، ولم يبرر لنا أكذوبته الواضحة؟!.. ألم يكن كاليجولا نفسه يكذب عندما أمر سيزونيا بأن تبلغ النبلاء بقصة مرضه المزيف؟!

(المشهد التاسع في الفصل الرابع من مسرحية كاليجولا)

(الطغاة صادقون في أكاذيبهم)

كان كاليجولا طاغية وصل إلى درجة متقدمة من الجنون الدموي، لكنهم يشيعون في كتب التاريخ وفي الأعمال الأدبية أن جنونه لا يخلو من الحكمة والفلسفة، وكان المعجبون بجنونه يرددون ما يقوله عن نفسه بأنه صادق وأمين وشريف، لذلك لم يقبل أن يتفوه أحد مساعديه بكلام لا يقدر على الوفاء به، فالإنسان الجيد يجب أن يتحمل مسؤولية ما يقول، ولا يكذب في حديثه ووعوده.

يعجبني هذا الكلام عن المسؤولية، وأعتبر أن الصدق في العهود فضيلة تستحق التقدير، حتى لو كان صاحبها ديكتاتورا، لكن يؤرقني سؤال في قصة محاسبة الطاغية لمساعديه الكاذبين:

لماذا توقف الديكتاتور عند أكاذيب المنافقين وعاقبهم عليها، ولم يبرر لنا أكذوبته الواضحة؟!.. ألم يكن كاليجولا نفسه يكذب عندما أمر سيزونيا بأن تبلغ النبلاء بقصة مرضه المزيف؟!

أتذكر مشهدا معاصراً حدث قبيل الانتخابات الرئاسية الأولى التي خاضها المشير عبد الفتاح السيسي، فقد أدار الإعلامي يسري فودة مناظرة بيني وبين الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي في برنامجه "مصر تنتخب"، كان حجازي يدافع عن ترشح السيسي باعتباره المنقذ والمخلّص لمصر من خطر الإرهاب، وكنت أعارض الترشح احتراما للعهد الذي قطعه المشير على نفسه وعلى المؤسسة بعدم الترشح، والذي قال فيه بالحرف: "لن أترشح للرئاسة، ولن أسمح للتاريخ بأن يكتب أن جيش مصر تحرك من أجل مصالح شخصية".

دار نقاش طويل شارك فيه جمهور الأستوديو عن حق كل شخص في الترشح ما دام الدستور لا يمنع، وتكاثرت مداخلات الجمهور لتبرير ترشح المشير، فقلت منهيا النقاش مستنكرا بلهجة حادة ومتسائلة: من عادتي أن أصدق الرجال، فإذا تعهد أحد بموقف ثم خالفه، فكيف أثق به بعد ذلك؟

(أوعوا تكونوا مش مصدقين)

الصدام بيني وبين الأستاذ حجازي سبقه موقف آخر أكثر وضوحا، أعود إليه بالتفصيل والتوثيق للتأكيد على المعنى (البعيد/ القريب) الذي يذهب إليه المقال..

الزمان: السادس من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2013م

المكان: ملعب الدفاع الجوي

يقف المشير عبد الفتاح السيسي بالزي العسكري المثقل بالنياشين والأوسمة والرمزيات، ويتحدث في ذكرى انتصار حرب أكتوبر وسط قيادات سياسية وعسكرية مصرية وعربية ونجوم فن وثقافة وخلافه، فيقول بالحرف في الخطاب المشهور بـ"خطاب نور عينينا":

"بعد الهزيمة سنة 67 الشعب المصري ده*، لم يتخلَ أبداً عن جيشه، ولا أبداً أبداً فكّر يكسر خاطر جيشه، ومش بس كده، قعد 7 سنين تقريبا يحرم نفسه من كل حاجة، وكان عايش بالطابور عشان يوفر للجيش.. تفتكروا العلاقة دي حد ممكن يعني يدخل فيها.. يدخل بينها يعني.. بينّا وبين المصريين؟ انتو مش عارفين ان انتو نور عينينا وللا ايه؟

صحيح.. (تصفيق وتهليل)

صحيح، احنا ما بننساش.. خللوا بالكم احنا اتعلمنا كده.. اتعلمنا كده في الجيش: ان احنا لا ننسى أبداً.. ولا يمكن ننسى وقفتكوا معانا، عشان كده قبل انتوا ما تتألموا.. احنا نموت الاول، لكن انتو ما تتألموش.

(لماذا لم تموتوا؟)

رجل نحيل يرتدي ملابس الإمبراطور كاليجولا، يدخل مندفعاً إلى اجتماع مجلس الوزراء، ينظر للوزراء بشفقة وتجاهل، ثم ينظر باتجاه الزي العسكري المعلق على شماعة في قاعة الاجتماع: مش قلتوا مش هننسى وقفتكوا معانا؟.. مش قلتوا تنقطع إيدينا قبل ما تتمد عليكم؟.. مش قلتوا قبل انتوا ما تتألموا.. احنا نموت الأول، لكن انتو ما تتألموش.

طيب احنا بنتألم يا سادة، بنعاني من تخفيف أحمالكم علينا.. بنعاني من تحميل الأخفاف.. من تحميل الأفخاخ.. من المجاعة.. من انقطاع الكهرباء.. من انقطاع الأمل، من خسارة الأمان، من سرقة الفرح، من اغتصاب الحرية.. بنتألم جداً يا صادقين، بنتألم يا شرفاء، بنتألم يا أصحاب الذاكرة الحية التي لا تنسى الوقفة الجدعة في 67.. فلماذا تركتونا نتألم ولم تموتوا كما عاهدتمونا أمام وزراء الدفاع العرب ورئيس وزراء الردن وعيون العالم كله على الهواء؟.. لماذا لم تموتوا عشان احنا ما نتألمش أكتر من كده؟".

(الذاكرة المثقوبة)

في "خطاب نور العيون" في خريف 2013 قال المشير السيسي أيضا بالحرف:

في ذروة جنون العظمة يستدعي الطاغية حكمته القديمة: عندما تخسر يجب أن تدفع، ثم يضيف إليها إضافته الجديدة الصريحة.. الصادقة في كذبها: وعندما أخسر أنا، يجب أن تدفع أنت أيضاً.. وبهذه المناسبة خطرت على ذهني فكرة رائعة وأريد أن اشرحها لكم: لا توجد دولة بلا مشاكل كبيرة، ولا يوجد شعب بلا محن عظيمة، لذلك قررت أن أكون أنا مشلكتكم الكبيرة ومحنتكم العظيمة، فمن واجبي أن أبتليكم

"وإذا كانت مصر هتبقى أد الدنيا، فاعملوا حساب لليوم ده.. اعملوا حساب لليوم ده".. (تصفيق وتصفير وتلويح بالأيدي المفتوحة دليل العزم والقوة).

يواصل المشير منتشياً: "أوعوا تكونوا مش مصدقين ان مصر مش هتبقى أد الدنيا.. لااا.. دي هتبقى أد الدنيا.. صحيح، وبكره تشوفوا.. والصُغَّير منكم يبقى يفتكر الكلام ده عني: هتبقى أد الدنيا".

يحرضنا المشير على التذكر، كما أكد من قبل أن الجيش علمهم عدم النسيان..

فلماذا هجم النسيان على كل شيء؟

لماذا غطت الضرورة على الوعود والعهود؟

لماذا انطفأ نور العيون؟

لماذا انقلب كاليجولا إلى وباء يعاني منه الجميع إلا هو؟..

في ذروة جنون العظمة يستدعي الطاغية حكمته القديمة: عندما تخسر يجب أن تدفع، ثم يضيف إليها إضافته الجديدة الصريحة.. الصادقة في كذبها: وعندما أخسر أنا، يجب أن تدفع أنت أيضاً.. وبهذه المناسبة خطرت على ذهني فكرة رائعة وأريد أن اشرحها لكم: لا توجد دولة بلا مشاكل كبيرة، ولا يوجد شعب بلا محن عظيمة، لذلك قررت أن أكون أنا مشلكتكم الكبيرة ومحنتكم العظيمة، فمن واجبي أن أبتليكم.. سأتنازل وأقوم في حياتكم بدور الوباء، والآن.. اخرسوا.

(فكرة الوباء وردت في نهاية المشهد التاسع من الفصل الأخير في مسرحية كاليجولا قبل مشهد الاغتيال بقليل)
ــــــــــــــــــــــ
هامش على الهامش:

تعبير الشعب المصري "ده" يغرس شوكة في ذاكرتي القريبة، تذكرني بالوصف المؤلم الذي كتبته أمنية البحر درويش عن والدها: سيشهد التاريخ أن "ده" بقى إيمان البحر درويش. كلمة "ده" تخبرنا بالكثير، وأخطر ما فيها عدم الاعتراف بأن هذا الـ"ده" له قيمة.. أمنية لا تعترف أن "ده" هو الإنسان الوسيم العطوف الذي عرفته كأب وفنان تفخر به، وكلمة "ده" في الخطبة تعكس نفس النظرة للشعب الذي كان شعبا عظيما يقبل العيش بالطابور من أجل قضية يؤمن بها، ثم صار مجرد "ده".. شيء مهمل ملقى كجثة على سرير المرض، شيء مهمل داخل زنزانة بلا حقوق.. شيء محاصر بلا معنى في أسانسير بتهمة تخفيف الأحمال.. شيء يتألم بلا ذنب، أو كما قال هيلكيون: شيء يتألم ويعاني، لأنه مذنب، فذنبه الجسيم أنه من رعايا كاليجولا.

[email protected]
التعليقات (8)
Elnashar
الأحد، 30-07-2023 06:45 م
تحية للكاتب المحترم الذي لم يتخلى عن دوره ككاتب في زمن كثرت فيه الكتبة اامنافقين وتحية لكاتب إنسان يحمل ضمير محب لمصر ويقول رأيه بناء على مايجمع من حقائق ومعلومات وتحية لروح شهدائنا في 1967 الذين أعدمهم وأحرقهم أحياء الكيان المجرم المحتل الصهيوني النازي وتحية لجيش حرب الإستنزاف الذي قدم الأرواح والشهادة وكبل العدو الصهيوني المحتل الإرهابي الداعشي مجرم الحروب خسائر طائلة وتحية لجيش مصر الذي عبر في 73 كل المليون جندي من أصغر رتبة لأكبر رتبة تحية لمن عبروا وعار على من هبروا وفسدوا وأهملوا وباعوا وأهدروا وحولوا الإنتصار الى سلام الإستسلام وتحية للإعلاميين والكتاب الذين لم يتخلوا عن دورهم الشريف وتحية لكل من يذكر بالوعود الكاذبة ويذكر بسجناء الرأي المنسيين في السجون بعد تضحيتهم بقول الحق في زمن لمع فيه المنافقين وتحية لكل من إنتقد ( نقدا بناءً) السياسات الكارثية
كيف ستكون نهاية السيسي، ومتى سيكون أوانها؟
الأحد، 30-07-2023 01:47 ص
6- تفضح كلمات السيسي وهلوساته ما في نفسه المريضة وعقله المشوش وشخصيته المضطربة، من اقتناعه بأن حكم مصر سيبقى له وبين يديه، وتوسوس له شياطينه بأنهم سيمكنوه من الاستمرار مسيطراً علي مصر وشعبها لعقود طويلة قادمة، ثم يصعد بعدها إلى السماء مخلداً فيها، ليلحق بالفراعنة المؤلهين من قبله، الذين أخرج جثامينهم من مراقدها، ليسير خلفهم في موكبه المهيب، كما طاف وسعى بين معابدهم محتفياً بها في ممر كباشهم المقدسة، مردداً تراتيل عبادة الفرعون مع أتباعه ليباركوه، ويقر في يقينه بأن ضباطه سيدينون دائماً بالولاء المطلق له، والطاعة العمياء لأوامره، فهو ولي نعمتهم، وسينصاعون لإرادته دائماً، حتى ولو انفضح أمام المصريين جميعاً حقيقة كونه عميلاً للصهيونية، وأنه يعمل تحت إمرة الحركة الصليبية الدولية، وفي خدمتهم لتحقيق أغراضهم الخبيثة في سعيهم لإذلال مصر وإغراقها في الديون، ورهن أراضيها وثرواتها، واستعباد أهلها وإفقارهم، ومحو هويتهم وعقائدهم، لتحويلهم وأبنائهم إلى مسوخ تسير متخبطة على غير هدى، خاوية الفكر مضطربة العقيدة فاقدة الإرادة، وحتى لو أصاب السيسي خِرَف الشيخوخة، البادية أعراضها عليه، وتمكنت الهلاوس والتهيؤات والوساوس القهرية من عقله، من طول إدمان تعاطيه لمخدر الترامادول، كما تظهره نظراته الزائغة واختلاجات وجهه وتعرق جبهته وتلعثم لسانه، فيظن السيسي بأن ضباطه سيستمرون في طاعته، ولن يعارضوه أو يتمردوا عليه أو يعزلوه، وسيضحون بأرواحهم في سبيل نصرته، وسيضعون بين يديه ثروات مصر وأموال شعبها المنهوبة، ليهدرها ويبعثرها كيف يشاء على قصوره ومدن سرابه، وترسانات أسلحته التي يظن بأنها ستحميه، وتطيل من أمد بقائه على كرسي حكمه، ولو على حساب إفقار الشعب المصري الكاره له، والراغب في عزله، ومحاسبته على جرائمه في حقهم، واسترداد ما نهبه من أموالهم هو وعصابته، فهل تتحقق أضغاث أحلام السيسي التي يراها في منامه، أم يفشل في تحقيق أغراضه ومآربه الخفية الخبيثة، فيكون نسخة مكررة من مهاويس السلطة من أمثاله في تحقق نهاياتهم السوداء، فينفضح أمر فساده، ويغرق شعبه في الفقر حتى يثوروا عليه، ويتمرد عليه جنوده ومجنديه، بعد أن يتجاوز الخطوط الحمراء في استهانته بشعبه، واستخفافه بهم، وينفض عنه داعميه، ويتبرأ منه مسانديه، بعد أن تضيق دائرة المستفيدين من فساده واستبداده، ويسعون للتضحية به ككبش فداء لهم، لاستبداله بغيره، كما فعل أنصار مبارك معه من قبل، أو لعل الشعب المصري أن يفيق من غفلته كما نعتقد، ويقوم قومة رجل واحد، ضمن ثورات الربيع العربي، للدفاع عن بلادهم وثرواتهم وعرضهم ودينهم وللحفاظ على أوطانهم، وللقيام برسالتهم الإنسانية التي كلفهم ربهم بها، فينصرهم الله ويعزهم بفضله، وإن غداً لناظره قريب، والله أعلم.
الصعيدي المصري
السبت، 29-07-2023 10:52 م
من المفاهيم التي علمنا اياها الزمن وما كنا لنعلمها مهما كانت قراءتنا وتعليمنا .. ان فارقا شاسعا بين ما يتحصل عليه المرء من (تعليم/ ثقافة / شهادة دراسية) وبين (الوعي ) .. فكلنا يدعي لنفسه الحكمة والوعي .. ولكن يتضح الادعاء من الحقيقتة عندما يترجم ذلك الوعي الى مواقف وعمل حقيقي .. وكما نقول نحن المصريين ( وقت الجد ) .. كثير من الكتاب والنخبة والمتنوخبين والفنانين تراهم وكأنهم يسكبون حين سيرهم الحكمة والثقافة .. حنى اذا حان وقت الاثبات .. تراهم وقد لعقوا كل ما كتبوه عن العدالة والحرية والوطن والاخلاص بل والحياد .. عذرا .. كاتبنا الواسع الثقافة الاستاذ جمال الجمل هو واحد من هؤلاء .. ايد جمال الجمل قائد الانقلاب ووصفه بالزعيم الضرورة الذي قضى على جماعات التطرف والظلام .. وانه حان الوقت لميلاد قائد مخلص جديد .. لا تفسير يشرح تلك المفارقة مع واحد نعتبره من المثقفين الحقيقيين سوى انه (الهوي) .. ذلك الذي جعله يسبغ اوصافا .. ويقوم بالمشاركة في تضليل العامة من البسطاء والقراء .. وتجاهل الهفوات (الصغيرة) للحاكم المخلص .. نعم كان وصف الهفوات الصغيرة بتعبير الجمل بشير الى ما ارتكبه السيسي من هولوكوست وحرائق ومجازر في حق من ثاروا دفاعا عن حقهم في اصواتهم التي ادلو بها في صناديق الانتخابات .. اري .. ان ينزوي الجمل وشلته من نخبة الضلال الى ركن بعيد .. فبم تعد آفة النسيان صفة من صفات جموع من اكتوو بالنار وذاقو الويلات .. وهم الان الاغلبية الساحقة من الشعب المصري ..
ثورة الشعب المصري ضد قيادات جيش ناصر المهزوم
السبت، 29-07-2023 08:52 م
5- إدعاءات السيسي الكاذبة المفضوحة بقوله أنه: "بعد الهزيمة سنة 67 الشعب المصري "ده"، لم يتخلَ أبداً عن جيشه، ولا أبداً أبداً فكّر يكسر خاطر جيشه"، فالحقيقة مخالفة لتلك الأكاذيب، فمظاهرات الشعب المصري الواعي قد تفجرت في كافة أنحاء مصر خلال عامي 1967 و 1968، ضد فساد وقمع وفشل وهزيمة وعمالة عصابة جيش ناصر الانقلابية، مطالبين بأحكام رادعة بديلاً للمحاكمات الصورية ضد قيادات جيش ناصر المتسببين في الهزيمة المنكرة لمصر، الذين سحبوا ضباطهم وهربوا تاركين أسلحتهم وأرض سيناء، وتركوا جنود مصر تائهين في صحراء سيناء، وسلموها للاحتلال الصهيوني دون أي اشتباك أو اعتراض لجنود العدو، ما يرقى إلى مرتبة الخيانة العظمى، كما صدرت الأوامر للضباط بارتداء الملابس المدنية تخفياً، وعدم ارتداء الملابس العسكرية في الشوارع، بعد أن تعرض بعضهم للاعتداء عليهم من جماهير الشعب الغاضبة ضد فسادهم وعنجهيتهم وفشلهم وانتهازيتهم، وقد ووجهت المظاهرات والاعتصامات العمالية والطلابية والشعبية بالفض والاعتقال والضرب والقمع من جانب قوات شرطة وجيش ناصر، واستخدم جيش الهزيمة الطائرات الهليكوبتر فوق حرم الجامعات لإرهاب طلابها، وقد سقط من الشعب المصري ضحايا لاعتداء ضباط ناصر في قلب المدن المصرية، وليس على خط الجبهة، وأغلقت الجامعات وفرضت الأحكام العرفية وحظر التجول على الشعب المصري من جانب عسكر ناصر الهارب المنهزم، وقد امتص ناصر غضبهم بتمثيلية اعتزاله، وبالتضحية بصديقه وقائد جيشه المشير عامر، بدس السم له غيلة، لكي يحمله وحده مسئولية الهزيمة ويفلت هو، رغم كون ناصر هو قائد الجيش الأعلى المسئول عن الهزيمة المنكرة، أما الجيش الذي حارب في 1973 فهو جيش الشعب وغالبيته من المجندين وضباط الاحتياط من صفوف الشعب، رغم عدم تمتعهم بالمزايا المادية والعينية التي كان يتمتع بها ضباط الجيش العامل النظامي، ورثة العسكر الانقلابيين الذين استولوا على الحكم عنوة باستخدام السلاح، وغالبية من استشهدوا وأصيبوا في حرب 1973 هم من المجندين وضباط الاحتياط، وتخفي قيادات الجيش إلى الآن قوائم أسماء الشهداء ورتبهم من المجندين، ولا يحظون بالتكريم الذي يحظى به الضباط المرتزقة.
تاريخ الاستبداد يعيد نفسه
السبت، 29-07-2023 07:15 م
4- وكان ناصر قد حول قبل هزيمة 1967 دولة مصر العريقة إلى شبه دولة، وكأنها عزبة قد ورثها عن أجداده، واعتقد في نفسه أنه قد كُشِف عن بصره الغطاء فيرى ما لا يراه غيره، ويستشرف مستقبل مصر المزدهر تحت حكمه الرشيد، ويزين له إفكه طائفة من المنافقين الانتهازيين الملتفين حوله، المتسربلين بغطاء الناصرية والوطنية والقومية والاشتراكية الكاذبة، وتركزت السلطة في مصر في يد ضباط جيش ناصر وأجهزته السيادية والمخابراتية وأجهزة أمن نظامه، الذين انشغلوا عن واجباتهم العسكرية لحماية البلاد، بالصراع والتناطح فيما بينهم على الاستيلاء على القصور المستولى عليها، وعلى وضع يدهم على الشركات المنهوبة، وعلى الهيئات المدنية التي احتكروا حلب خيراتها، واستبعدوا المتخصصين المخلصين عنها، وصبوا جل اهتمامهم على التجسس على الشعب المصري وتهميشه وإضعافه وإفقاره وقمعه حتى لا يثوروا عليهم، وكانت السجون الحربية مخصصة لاعتقال وتعذيب السياسيين المعارضين لهم من خيرة خبراء مصر المتخصصين، وسيطر ناصر في شبه دولته مع عصابته على القضاء وانتهكوا استقلاله، وانفردوا بالتشريع ليوائم أهوائهم، والإعلام والفن والثقافة ليكونوا أدوات للدعاية والترويج لأكاذيبهم وإفكهم، والاقتصاد والمال ليحتكروه ويفسدوه وينهبوه ويفلسوه، واحتكر العمل السياسي في شبه دولتهم تنظيمهم السياسي الأوحد "الاتحاد الاشتراكي العربي"، المروج لترهاتهم والمتفرغ لتسفيه وقمع معارضيهم وتلفيق الاتهامات لهم، وعندما حشد ناصر جيشه في سيناء، وصدق السفهاء من شعبه ما يروجه إعلامه بأننا سنلقي دولة إسرائيل المزعومة في البحر، ونقضي الصيف على شاطئ حيفا ويافا، كانت صدمة الشعب مذهلة في جيشه، الذي فر من الجبهة، دون أن يشغل قيادات عسكر ناصر أنفسهم بوضع أي خطة منظمة للانسحاب حماية لجنودهم، الذين ألقوا بهم في سيناء دون تدريب أو إعداد، تاركين اسلحتهم للصهاينة، ووقع منهم عشرات الآلاف بين قتيل ومصاب وأسير بعد استسلامهم في طوابير طويلة، في الوقت الذي كان إعلام الانقلابي ناصر، المسيطر عليه من الناصريين والشيوعيين المحترفين للدعاية السوداء، يزفون للشعب الغافل أخباراً كاذبة ملفقة في إعلامهم المزور عن انتصارات جيش ناصر المدوية المزعومة، الذين كانوا يحتفلون ويهللون لانتصارات عصابة جيش ناصر الانقلابية في الشوارع والمقاهي والمنازل، حتى أن بعض نواب مجالسه التشريعية، رقصوا فوق المناضد، إظهاراً لولائهم لزعيمهم ناصر وفرحتهم به، قبل أن تجف دماء جنودنا في سيناء. ونتمنى أن يحدثنا الكاتب جمال الجمل بما قد نكون قد أخطأنا فيه أو غفلنا عنه أو أسئنا فهمه، باعتبار جمال الجمل ناصري أصيل، وكان الذراع الأيمن والعقل المفكر للمرشح الكومبارس للسيسي حمدين صباحي، المنقلب على ثورة 2011، بدعوته الجماهير للاصطفاف بجانب فلول حزب مبارك الوطني الديمقراطي المنحل في هوجة 30 يونيو.