أفكَار

المغرب.. إسلاميون في الحكومة وليس في الحكم

المغرب يعمل بأربع سلطات: تشريعية، وقضائية، وتنفيذية تنقسم إلى حكومتين عليا ودنيا (صفحة الكاتب على الفايسبوك)
المغرب يعمل بأربع سلطات: تشريعية، وقضائية، وتنفيذية تنقسم إلى حكومتين عليا ودنيا (صفحة الكاتب على الفايسبوك)
لم يأخذ موضوع تحالفات الإسلاميين السياسية حظه من البحث والدراسة، وذلك لأسباب عديدة منها طول أمد العزلة السياسية التي عاشها الإسلاميون بسبب تحالفات النظم الحاكمة مع بعض القوى السياسية، واستثناء الإسلاميين من هذه التحالفات، بناء على قواسم أيدولوجية مشتركة بين الأنظمة ونلك التيارات.

لكن، مع ربيع الشعوب العربية، ومع تصدر الحركات الإسلامية للعمليات الانتخابية في أكثر من قطر عربي، نسج الإسلاميون تحالفات مختلفة مع عدد من القوى السياسية داخل مربع الحكم، وترتب عن هذه التحالفات صياغة واقع سياسي موضوعي مختلف، ما جعل هذا الموضوع  يستدعي تأطيرا نظريا على قاعدة رصد تحليلي لواقع هذه التحالفات: دواعيها وأسسها وصيغها وتوافقاتها وتوتراتها وصيغ تدبير الخلاف داخلها، وأدوارها ووظائفها، وتجاربها وحصيلتها بما في ذلك نجاحاتها وإخفاقاتها.

يشارك في هذا الملف الأول من نوعه في وسائل الإعلام العربية نخبة من السياسيين والمفكرين والإعلاميين العرب، بتقارير وآراء  تقييمية لنهج الحركات الإسلامية على المستوى السياسي، ولأدائها في الحكم كما في المعارضة.

اليوم يقدم الدكتور محمد الشرقاوي أستاذ تسوية النزاعات الدولية في جامعة جورج ميسن الأمريكية، والمحلل في مركز الجزيرة للدراسات، والعضو في لجنة الخبراء في الأمم المتحدة سابقا، قراءة في تجربة إسلاميي المغرب:


المغرب.. إسلاميون في الحكومة وليس في الحكم 


يستدعي أيّ تقييم جادّ لتطوّر الحركة الإسلامية في المغرب استحضار ثلاثة أمور أساسية: السّياق السياسي والزمني سواء في فرض تحدّيات عليها أو تعزيز حظوظها في ممارسة الحكم، وجدلية التفاعل بينها وبين مراكز القوة والمؤسّسات والشّخصيات التي تحدّد الخطوط الخضراء والحمراء في توجيه السياسات العامة، والمسار المستقبلي للإصلاح وما تروم إليه فلسفتها في التغيير المجتمعي برمّته ضمن التنافس المحتدم بين تياريْ الحداثة والإسلام السياسي.

زلزال الانتفاضات العربية

تحت وطأة الزلزال غير المسبوق الذي أثارته الانتفاضات العربية في بدايات 2011، تبنّت المؤسّسة السياسية في الرباط، أو المخزن، استراتيجية توظيف حزب العدالة والتنمية لإدارة المرحلة واجتياز تقلبات الحراك الشعبي بعد تجارب حكومة التكنوقراط والائتلاف الحزبي (2007 ـ 2011) وحكومتي اليسار الإشتراكي بقيادة عبد الرحمن اليوسفي (1997 ـ 2007). 

وكان لإخوان ابن كيران والعثماني رصيد مناسب من تأييد الأوساط الشّعبية وبعض النّخب وارتفاع وتيرة تمثيلهم في البرلمان عقب انتخابات 2007. بيد أنّ الأهمّ من ذلك قناعات زعماء الحزب بثلاث مرجعيات أساسية: الإسلام، والملكية، ونبذ العنف ضمن نسق الإسلام السياسي المعتدل. 

غير أن السّجال حول دور الملكية، وتحديدا مطلب "الملكية الدستورية"، يظلّ مفتوحا حتى قبل قيام الحزب عقب التوصّل إلى نقاط التوافق عام 1992 بين حركة الإصلاح والتجديد والدكتور عبد الكريم الخطيب، الذي كان قد انفصل عن الحركة الشعبية في أواخر السبعينيات.

يوم ارتفع سهم إخوان الرضا

عقب التصويت على دستور تموز / يوليو 2011 وفوز الحزب بالانتخابات التشريعية، كان موعد إسلاميي المغرب مع التاريخ عندما اختار الملك محمد السّادس عبد الإله بن كيران رئيس حكومة ضمّت في أغلبيتها 10 وزراء ووزيرة من العدالة والتنمية في ائتلاف شمل ثلاثة أحزاب أخرى. وعاد أغلب المحللين وقتها لتذكّر مقولة صموئيل هانتنغتون في كتابه "النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة"، حيث يقول إنّ "الحكام التقليديين يواجهون ثلاثة خيارات: التخلي عن الحكم وتولّي دور رموز الملكية الدستورية، أو محاولة الابتعاد عن مسار التحديث فيصبحون حازمين في استبدادهم، أو محاولة إضفاء الطابع المؤسّسي على المشاركة الشعبية ضمن نظام السيادة الملكية."

كان الخيار الثالث مناسبا للظرفية السياسية وسط التعجيل بتصميم دستور جديد وإجراء استفتاء عليه في أقل من ثلاثة أشهر. وقد وصف البعض هذه الإصلاحات الدستورية بأنها "قياسية" مقارنة مع ما كان يحدث في ليبيا ومصر وسوريا واليمن ودول أخرى، أضاعت بوصلة التغيير السلمي والبناء الديمقراطي. وعلق كينيث بولاك المحلل في مؤسسة البروكينز في واشنطن قائلا، إن "ما قام به الملك المغربي هو صياغة نموذج مختلف للتغيير في العالم العربي، وهو أمر كثيرا ما تم الحديث عنه، ولكن لم يتم تطبيقه حتى الآن بالكامل."

مثيرة في رمزيتها السياسية

كانت الصورة الاحتفالية بتولّي حكومة إسلامية كرسي القيادة في الرباط مثيرة في رمزيتها السياسية ونوستالجيا التحرّر من مخلّفات "سنوات الرصاص" التي كرّسها وزير الداخلية الراحل إدريس البصري (1974 ـ 1999). لكنّ الصورة غطّت بظلالها على منطق سياسي يمكن اعتباره من قبيل الإكراميات على حسن الذمة والسّلوك، خاصة لمن يجاهر أنه "ملكي أكثر من الملك". يقول الدكتور عبد السلام المغراوي في جامعة ديوك الأمريكية: "تمّ تهذيب حزب العدالة والتنمية بشكل أساسي من قبل القصر قبل السماح له للمرة الأولى بالمشاركة في الانتخابات المحلية والتشريعية عام 1997. وظلت السلطات الرسمية للملكية والشبكات غير الرسمية قوية وواسعة كما كانت دوما".

ويبدو أنّ هذا "التهذيب" كان حصيلة حتمية لسياسة الترهيب والترغيب التي اعتمدتها الدولة المركزية في احتواء التيارات الإسلامية، وتحفيز المعتدلين على حساب المتشددين خاصة منذ 1979 عقب نجاح الثورة الإسلامية في إيران. فأصبح إسلاميو ابن كبيران "مرضيا" عنهم، فيما ظلت "غضبة" الحسن الثاني تلاحق أصدقاءهم في حركة العدل والإحسان. وحتى منتصف 2017، ردّد ابن كيران في أكثر من مناسبة أن مشروع الحزب هو أن يكون خادما للأعتاب الشريفة، مستمدا شرعيته وقوّته من رضا الملك. 

الدعوية والشخصانية الشعبوية: سيف ذو حدّين!

حاول ابن كيران في الأعوام الثلاثة الأولى تكريس دوغماتية الإصلاح بحماسة من لا يريد أن يتساهل في تطبيق المشروع الإسلامي ولو في حدوده الدنيا تحت مظلة الملكية وأدبيات أمير المؤمنين. وسعى للحفاظ على علاقات جيدة مع الملك محمد السادس ضمن تبعية الولاء السلطانية بين المرؤوس ورئيسه أوّلا وأخيرا. وهذا تكتيك مقصود من أجل إدارة علاقة الشدّ والجذب بينه وبين بعض الشّخصيات ذات النفوذ داخل الدائرة الضيقة حول الملك. كانت أهم معاركه مع الفساد المالي والإداري والاحتكار ونظام الريع. وسرعان ما اكتشف كيف أن مخالب "العفاريت والتماسيح" تلسع في حلكة الظلام قبل أن يصحو على آثارها ومطباتها، فنالت من قدرته على تحقيق مشاريع التغيير المنشودة.

لم تقتصر تحدّيات حزب العدالة والتنمية وقتها على حجم ومتطلبات المشاريع الحكومية والتعامل مع المؤسسة السياسية التي تريد الحفاظ على مكاسبها ودائرة نفوذها فحسب، بل وأيضا في تباين الصلاحيات بين السلطات وتطاول البعض على البعض الآخر. وإذا تمسّك المرء بتقييم الحصيلة الواقعية للممارسة الحكومية وليس الجزم المعياري بما تنص عليه بنود الدستور، يبدو أن المغرب يعتمد خاصية الاستثناء على قاعدة السلطات الثلاث المتعارف عليها بين دول العالم.

حكومتان عليا ودنيا

قلت في إحدى الندوات في فاس أواخر 2011 إنّ المغرب يعمل بأربع سلطات: تشريعية، وقضائية، وتنفيذية تنقسم بحكم الأمر الواقع إلى حكومتين: حكومة عليا High cabinet، وحكومة دنيا أو حكومة تصريف الأعمال Low cabinet  التي تعاقب عليهاابن كيران والعثماني في السنوات الست الماضية. هناك عرف متغرّس في هرمية اتخاذ القرارات بأن تحتفظ الحكومة العليا، التي تشمل مستشاري القصر بسلطة القرار في تدبير الملفات والمشاريع الكبرى والعلاقات الخارجية. في المقابل، تتولّى الحكومة العادية تنفيذ تلك القرارات والتعامل مع شتى القضايا الإدارية العادية داخل مساحة ضيقة للمناورة أو الخروج عن النص. يلاحظ مارك لوفين أستاذ التاريخ في جامعة كاليفورنيا بالقول إن "المخزن أكثر الدول العميقة عمقا في العالم العربي"، وأنّ امتداده لا يقتصر "على أصحاب السلطة في المغرب فحسب، بل وأيضا الطريقة التي تمارس بها السلطة وتدفقها في المجتمع."

في 2015، دخلت براغماتية ابن كيران مرحلة التّراجع من حماسة من يمسك رأس الحربة في وجه الفساد وزبانيته من "التماسيح والعفاريت" إلى رجل حسابات استراتيجية تقلصت في هدف واحد: قيادة الحزب نحو برّ الانتصارات الانتخابية. واعتقد وقتها أن فرصة ظهوره مجدّدا رئيس حكومة ثانية في تشرين ثاني / نوفمبر أو كانون أول / ديسمبر 2016 ستعزز مركزه السياسي وترجح ميزان القوة لصالحه بموازاة نفوذ مستشاري الملك. وتراءى في أعينه وأعين زملائه في الحزب بريق ونشوة العمل الميداني وتوظيف العائد السياسي الجماهيري مجددا، من أجل تحدّي المؤسسة السياسية التي وقفت في صف الحزب المناوئ "الأصالة والمعاصرة" الذي وُلد من رحم "حركة لكل الديمقراطيين" التي كان قد هندسها مستشار الملك وصديق أيام دراسته فؤاد علي الهمة عام 2008.

توثيق الصلة بالقواعد

كانت استراتيجية ابن كيران السعي لترميم رضا القمة بتأكيد أنه يحظى برضا القاعدة في صناديق الاقتراع. فوجّه اهتمامه نحو سلسلة إصلاحات اجتماعية منها توفير الدعم المالي الحكومي لبعض مواد الاستهلاك الأساسية، وإقرار نظام المساعدة الطبية RAMED، وتأسيس صندوق ضمان اجتماعي للأسر الفقيرة بغية الحفاظ على سياسة الحي أو الضاحية Proximity politics. وقامت هذه السياسة على توظيف الخطاب البسيط ضمن السياق الثقافي مع ضرب مقارنات رمزية بين نزاهة حزبه وتلوث الأحزاب المنافسة.

تداخلت في تصريحات ابن كيران وأدبيات الحزب سرديات سياسية ودعوية بتوشية شعبوية متنامية تردّد صداها تحت قبة البرلمان وفي الجلسات الخاصة بين المغاربة. فارتفعت شعبيته ونجح في قيادة الحزب نحو الفوز بحوالي ثلث مقاعد مجلس النواب الثلاثمائة والخمسة والتسعين. فتحققت له نشوة الانتصار بفارق 23 مقعدا عند إعلان المرتبة الأولى للعدالة والتنمية (125 مقعدا مقابل 102 مقعد التي حاز عليه غريمه الأصالة والمعاصرة).   

تعززت ثقة ابن كيران بمستوى غير مسبوق في شعبية الحزب جماهيريا وسياسيا، وبدت في تصريحاته نبرة الاعتداد بشخصانية قوية ومهارة تواصلية وروح نقدية متمردة، أحيانا أثارت عليه حفيظة القياديين في دائرة القصر. تمسك ابن كيران بموقف التمرّد على تبعية الحكومة الدنيا لإرادة الحكومة العليا ورفض "مشورة" الزعيم الجديد لحزب التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش، ومشاركة حزب الاتحاد الاشتراكي في تشكيل الحكومة الجديدة. فأسفرت المعركة عن أزمة فراغ حكومي طيلة ستة أشهر عقب فوز الحزب. انطوى الوضع عن مفارقة تاريخية مثيرة في سير ديمقراطية صناديق الاقتراع: عزل رئيس الحكومة قبل تنصيبه بفرض الأمر الواقع. ثم استبدال ابن كيران بالدكتور العثماني كمخرج للأزمة.

جناحان إسلاميان

من مضاعفات هذه "التخريجة" تنامي انشطارية جديدة بين جناحين متوازيين: الأول يريد حماية مكاسب الحزب ومواصلة الاستثمار في علاقة الرضا مع هرم السلطة وتفادي أي مواجهة، والثاني يمكن تسميته بجناح المبارزة وتحدّي المخزن من خلال العودة إلى المطالب التاريخية للحزب. ومن وجوه هذا الجناح عبد العالي حامي الدين عضو مجلس المستشارين، وأحد رواد الحركة التصحيحية داخل الحزب، الذي يقول إنّ "الشكل الحالي للملكية ليس في صالحها ولا في صالح البلد"، ويشدد على أن "الملكية بشكلها الحالي معيق للتنمية والتقدم والتطور". بيد أن رئيس الحكومة العثماني يتمسك بأن علاقة الحزب بالملكية علاقة "مبدئية تستند إلى أن الحزب يؤمن بأن الملكية هي من ضمن الثوابت الدستورية الأساسية للمغرب، وهذا هو حزب العدالة والتنمية الذي لا يغيّر جلده وغير مستعد لتغييره."

يجسد السجال الراهن بين حامي الدين والعثماني صورة مصغرة لسجال أكثر حدة بين جناحي الحزب عند الحسم بين خيارين: برغماتية المكاسب المتدرجة أم شرعية الالتزام بالرؤية النقدية. هو سجال يختزل أيضا النقاشات العامة بين سائر النخب الإسلامية والإصلاحية والمحافظة حتى أقصى التيارات الحداثية والعلمانية واليسارية حول مستقبل المخزن والملكية، وبقية مراكز النفوذ المالي والسياسي في المغرب.

لا غرابة أن تكون تجربة العدالة والتنمية في تولّي الحكومة (وليس الحكم)، والتذبذب بين خيار العزف حسب نوتة السلطة أو اعتماد نوتة بديلة من خلال المقارنة بين تكتيكات ابن كيران والعثماني، قد أصابت الحزب، ومن خلفه الحركة الإسلامية المعتدلة، بانفصام الشخصية أو سكيزوفرينيا سياسية. ويبقى السؤال الآن ما هي الهوية الحقيقية للعدالة والتنمية: هوية "الموالين" أم هوية "المعادين"!

لكن السؤال الأهم: هل هو تحوّل طبيعي في نمو حركة دينية سياسية، أم إنّه حالة مَرَضية بفعل فاعل يريد تركيب رأسين وقلبين في جسد الحزب والحركة. ثمة سوابق تاريخية متكررة لانفصام الأجساد السياسية المغربية منذ انشطار حزب الاستقلال عام 1959..!

*الدكتور محمد الشرقاوي أستاذ تسوية النزاعات الدولية في جامعة جورج ميسن الأمريكية، والمحلل في مركز الجزيرة للدراسات، والعضو في لجنة الخبراء في الأمم المتحدة سابقا. 
التعليقات (1)
متفائل
الجمعة، 02-11-2018 10:57 م
هو حال المغاربة الذين يمتازون بحسن المناورة وكثير من المرونة على مستوى عالم الأفكار ، والعقلية التساؤلية التي يتميز بها الشمال الإفريقي ، والتجربة المغربية ، كما التجربة التونسية ، استفادت كثيرا من الاحتفاظ بهامش كبير من الاستقلالية عن حركة الإخوان في حدودها التنظيمية ، وحتى الفكرية فيما اتصل بخصوصية البناء السياسي وهيكلية دوائر الحكم ومعطيات القواعد الصلبة للمجتمع . كل هذا يجعل هامش المناورة في صالح الحركة الإصلاحية أكثر من غيرها ، سواء في الاستفادة من عامل الزمن لمراجعة البدائل الممكنة ، أو حتى الاستفادة من أخطاء الطبقة الحاكمة في ظل التغيرات التي يشهدها عالم اليوم .