قضايا وآراء

القدس وعدم إلزامية قرار الاتحاد من أجل السلام

أنس زين الدين
1300x600
1300x600

بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في السادس من الشهر الحالي، كان قرار القيادة الفلسطينية ردا على ذلك بالتوجه لمجلس الأمن لإستصدار قرار بإدانته، لكن الفيتو الأمريكي حال دون ذلك، مما دفع اليمن وتركيا بالنيابة عن المجموعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لطلب عقد جلسة طارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة وفق القرار رقم 377 لعام 1950 المعروف بقرار "الاتحاد من أجل السلام"، وذلك لطرح مشروع قرار يعتبر أي تغيير في وضع القدس ليس له فعالية قانونية، ويعد باطلا ولاغيا. كان الحادي والعشرون من الشهر الحالي شاهدا على اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة بالأغلبية الساحقة لهذا القرار رغم كل التهديدات غير المسبوقة التي أطلقتها مندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة نكي هيلي.


أثارت التوصيات التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن القدس تحت بند "الاتحاد من أجل السلام" جدلا بشأن الطبيعة القانونية لهذه التوصيات وإن كانت تتمتع بالصفة الإلزامية أم لا، حيث ادعى البعض بأن هذه التوصيات واجبة التنفيذ من قبل الدول المخاطبة بأحكامها وكذلك الدول الأعضاء في ميثاق هيئة الأمم المتحدة، وربما كانت بداية هذا الجدل بتصريح من الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أعلن فيه بأن الدول العربية ستطلب من الجمعية العامة تمرير قرار "ملزم" لكل مؤسسات الأمم المتحدة، يدين الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وذلك استنادا إلى بند "الاتحاد من أجل السلام".


لكن قراءة القرار رقم 377 لعام 1950 المعروف بقرار "الاتحاد من أجل السلام" بشكل متعمق تقود إلى الاستنتاج بأن الصيغة المستخدمة للتعبير عن ما تم قبوله من قبل الجمعية العامة في جلساتها الطارئة المنعقدة في إطار هذا القرار هي "توصيات- Recommandations"  وليست "قرارات - Decisions"، والتوصيات غير ملزمة للدول الأعضاء في ميثاق هيئة الأمم المتحدة ولها حق الأخذ بها أو لا. حيث ينص القرار رقم 377 لعام 1950 على أنه إذا أخفق مجلس الأمن بسبب عدم توفر الإجماع بين أعضائه الدائمين في القيام بمسؤولياته الأساسية في حفظ الأمن والسلم الدوليين في الحالات التي يبدو فيها أن هناك تهديدا للسلام أو خرقا للسلام أو أن هناك عملا من أعمال العدوان، تبحث الجمعية العامة الموضوع فورا لإصدار "التوصيات" اللازمة للأعضاء لاتخاذ التدابير الجماعية والمناسبة بما في ذلك استخدام القوات المسلحة عند اللزوم للمحافظة على السلام أو لإعادته إلى نصابه.


ولكن يبقى السؤال عن الفرق بين التوصيات التي تصدرها الجمعية العامة تحت بند "الاتحاد من أجل السلام" والتوصيات التي تصدرها بشكل دائم في جلساتها الدورية، ما دام أن كليهما لا تتمتعان بالصفة الإلزامية. وللإجابة عن هذا السؤال يجب التنويه إلى المادة 12 من ميثاق الأمم المتحدة، حيث تنص على أنه: "عندما يباشر مجلس الأمن، بصدد نزاع أو موقف ما، الوظائف التي رسمت في الميثاق، فليس للجمعية العامة أن تقدم أية توصية في شأن هذا النزاع أو الموقف إلا إذا طلب ذلك منها مجلس الأمن". وبناء عليه لا تمتلك الجمعية العامة حق مناقشة وضع القدس بينما هي قيد النظر في جدول أعمال مجلس الأمن، حيث وفق الفقرة السابعة من قرار مجلس الأمن رقم 1322 لعام 2000 يجب على الأمين العام مواصلة متابعة قضية القدس وإبقاء المجلس على علم بها. ومنذ ذلك الوقت وقضية القدس على جدول أعمال مجلس الأمن بحيث يجتمع كل شهر لمناقشتها في جلسة عادية وكل ثلاثة أشهر لمناقشتها في جلسة علنية شاملة.


لكن الإستثناء الوحيد لهذه المادة والذي استخدمته تركيا واليمن هو قرار رقم 377 لعام 1950 المعروف بقرار "الاتحاد من أجل السلام" والذي يمنح الجمعية العامة حق البحث في أية مواضيع هي قيد النظر أو المعالجة في مجلس الأمن بشرط أن يخفق مجلس الأمن في معالجتها بسبب عدم توفر الإجماع بين أعضائه وذلك في الحالات التي يبدو فيها وقوع تهديد للسلم أو إخلال به. لذلك واستنادا لهذا القرار تمكنت الجمعية العامة من مناقشة موضوع القدس بين أروقتها في جلسة طارئة رغم أن الموضوع ما زال قيد النظر في مجلس الأمن.  

مع العلم أن القدس ليست بحاجة إلى قرار ملزم لإبطال قرار ترمب، حيث أن القرار رقم  478 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، في شهر سبتمبر 1980، هو قرار يتمتع بالصفة الإلزامية ويفرض على دول العالم عدم نقل سفاراتها إلى القدس، ولكن العنجهية الأمريكية تضرب كل قرارات هيئات الأمم المتحدة الملزم منها وغير الملزم بعرض الحائط. فتصرفات أمريكا كلها تتخذها استناداً لمصالحها السياسية وليس استناداً للقانون الدولي وقرارات هيئات الأمم المتحدة.

 

النقطة الأخيرة والمهمة التي يجب الإشارة إليها فيما يخص الفرق بين التوصيات التي تصدرها الجمعية العامة تحت بند "الاتحاد من أجل السلام" والتوصيات التي تصدرها بشكل دائم في جلساتها الدورية هي إمكانية اتخاذ الجمعية العامة توصية باستخدام القوات المسلحة في جلساتها التي تعقدها تحت بند "الاتحاد من أجل السلام"، مع العلم أنه في الوضع الطبيعي يعتبر إصدار هكذا قرار من إختصاص مجلس الأمن وحده فقط في إطار الفصل السابع من الميثاق. ولكن يبقى تنفيذ هكذا توصية للجمعية العامة باستخدام القوات المسلحة هو مرتبط تماما بالإرادة السياسية للدول الأعضاء في الجمعية، فبينما تم تنفيذ القرار الذي اتخذ أثناء الحرب الكورية، لم ينفذ القرار الذي اتخذ أثناء أزمة هنغاريا.


ولذلك تبقى الأمم المتحدة عاجزة عن القيام بدورها المنوط بها من دون إرادة سياسية حقيقية للدول الأعضاء ومن دون اعتماد ميثاق جديد قائم على مبدأ المساواة القانونية بين الدول وإصلاح مجلس الأمن بإلغاء حق النقض الذي يتمتع به الأعضاء الدائمون في المجلس وإعطاء الجمعية العامة الحق في إصدار قرارات ملزمة على إعتبار أنها تمثل الإرادة الجماعية لجماعة الدول. وهذا ما يمليه التغيير الكلي فى الظروف السياسية والإقتصادية التي رافقت اعتماد ميثاق الأمم المتحدة.

1
التعليقات (1)
Abd
الثلاثاء، 26-12-2017 10:00 م
أعزائي وردني هذا التوضيح من الأخ السفير فاروق زيادة ونظراً لأهميته أرتأيت تعميمه عليكم. ——— الاخوة الكرام من المؤلم ان يتم التعتيم على قرار الجمعية العامة في دورتها الخاصة حول القدس هذا الاسبوع الذي اتخذ تحت بند " الاتحاد من اجل السلم " (Uniting For Peace )والذي اتخذ بموجب قرار الجمعية العامة للامم المتحدة (377) لعام 1950 حول الحرب الكورية . لقد حاولت اجهزة الاعلام العالمية والعربية الادعاء بان القرار المتخذ قرار عادي للجمعية العامة للامم المتحدة وبذلك فانه قرار استشاري فقط لا يختلف عن قرارات الجمعية العامة السابقة ، وليست فيه صفة الالزام . بينما ان واقع الامرهو ان القرارات التي تتخذ في دورة خاصة للجمعية العامة تحت بند " الاتحاد من اجل السلم " باغلبية الثلثين لها صفة الالزام وقوة الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة . وللتوضيح فانه عندما قامت كوريا الشمالية بالهجوم على كوريا الجنوبية عام 1950 حاولت الولايات المتحدة التدخل في الحرب لصالح الجنوبية باصدار قرار من مجلس الامن لارسال قوات تحت مظلة الامم المتحدة للوقوف الى جانب كوريا الجنوبية . فقام الاتحاد السوفياتي باستخدام حق " الفيتو" لمنع اتخاذ قرار بهاذا الخصوص . فقامت الولايات المتحدة بالالتفاف على ذلك بالذهاب الى الجمعية العامة ، والتي كان لها فيها انذاك اغلبية ساحقة ، بحجة انه لا يجوز عرقلة منع تهديد الامن والسلم الدوليين من قبل احد الدول دائمة العضوية في مجلس الامن باستخدامها حق النقض (الفيتو) ومنع المجلس من اتخاذ قرار بهذا الشان. فكان ان دعت الدول الغربية الى عقد دورة استثنائية خاصة للجمعية العامة للامم المتحدة عام 1950 تحت عنوان " الاتحاد من اجل السلم " تم فيها اتخاذ القرار رقم 377 ، بتصويت 52 ضد 5 اي باغلبية الثلثين ، جاء فيه انه في حالة قيام عضو دائم في مجلس الامن بعرقلة اتخاذ قرار يتعلق بالامن والسلم الدوليين فانه يحق لدورة خاصة للجمعية العامة تجاوز ذلك باتخاذ قرارات باغلبية الثلثين تكون لها لها قوة قرارات مجلس الامن ومن ضمنها الصلاحيات الممنوحة بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة . وقد تم بموجب هذا القرار ارسال قوات للامم المتحدة الى كوريا . كما تم عقد الجمعية العامة في دورة استثنائية بموجب القرار 377 لعام 1950 " الاتحاد من اجل السلم" عام 1956 ، عندما قامت بريطانيا وفرنسا باستخدام حق النقض الفيتو في حرب السويس لمنع ارسال قوات فصل السلاح بين مصر واسرائيل ، واصدرت الجمعية العامة قرارها باغلبية الثلثين بارسال قوة عسكرية للفصل بين القوات المصرية والاسرائيلية . وفي الختام فان عقد اجتماع استثنائي لدورة خاصة للجمعية العامة للامم المتحدة بموجب القرار 377 تحت بند " الاتحاد من اجل السلم " واصدار قرار حول القدس باغلبية الثلثين له صلاحيات مجلس الامن والصلاحيات في الفصل السابع امر بالغ الاهمية . اي انه بمثابة صدور قرار من مجلس الامن بموجب البند السابع . وقد تم بموجب هذا القرار اعتبار قرار ترامب حول القدس او اي قرارات احادية اخري من اي جهة كانت باطلة وملغية وليس لها اي صفة قانونية . كما ان هذا يفتح الباب امام الذهاب الى المحكمة الجنائية الدولية دون عرقلة من الفيتو الامريكي او غيره ومحاسبة اسرائيل ومسؤوليها. ملاحظة: لقد حاول الاعلام الغربي والعربي تمييع الموضوع والتعتيم عليه . ولقد ذهبت فور سماع خبر صدور القرار الى وكالة رويترز ووجدت انها تشير اليه كقرار للجمعية العامة له صفة استشارية . ثم ذهبت الى ال BBC فوجدت نفس الغموض ثم ذهبت الى وكالة CNN فكان فيها شرحا اوسع ولكن دون الاشارة الى القرار 377 لعام 1950 او الى قرار "الاتحاد من اجل السلم " واخيرا ذهبت الى موقع الامم المتحدة الرسمي فوجدت البيان الرسمي الصادر وكان يذكر بوضوح ان الجمعية العامة انعقدت في دورة استثنائية خاصة في اطار قرار الجمعية 377 لعام 1950 وتحت بند " الاتحاد من اجل السلم" . ان هذا يكشف بوضوح رضوخ الاعلام الغربي للصهيونية وللاسف الشديد الموقف الخياني والمخزي للاعلام العربي . لقد كان صحفيون عرب يحاولون التشكيك في القرار والتقليل من قيمته واهميته وقوته للاسف الشديد . ارجو ان اكون قد قدمت خدمة بسيطة لامتنا العربية في تقديم هذا الشرح المركز، وارجو التعميم ، مع التقدير فاروق سعدالدين زيادة سفير سابق (متخصص في شؤون الامم المتحدة) 23/12/2017